الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٥ يوليو-٢٠٢٦       16940

حوار : حسين السنونة
يقول الكاتب المؤلف والمخرج المسرحي المغربي عبدالكريم برشيد في حديثه مع صحيفة "النهار" اعرف ان أشهر الأسماء في المسرح السعودي هو اسم المسرحي العميد حسين عبد الله سراج، والذي كتب اول مسرحية في تاريخ المسرح السعودي سنة 1933والذي يعتبر مؤسس الدراما الإذاعية
كما اعرف سيدة المسرح السعودي الدكتورة ملحة عبد الله، صاحبة نظرية البعد الخامس في النقد المسرحي، ولقد كنت عضوا في لجنة التحكيم في مهرجان الفجيرة الدولي المونودراما، والتي اعطتها الجائزة الأولى عن مسرحية (البيانو) والتي ادتها واخرجتها الممثلة والمخرجة المغربية لطيفة احرار،

 

في ظل التحولات الاجتماعية والسياسية والرقمية التي يعيشها العالم العربي، ما القضية المسرحية التي ترون أن النقد العربي لم يمنحها ما تستحقه من اهتمام، ولماذا؟

اعتقد ان بنية النقد المسرحي العربي لا يختلف كثيرا عن بنية الشعر العربي القديم، نفس البنية، ونفس الأغراض، ونفس المقاصد، ونفس اللغة ونفس المعجم تقريبا، ففي هذا النقد المسرحي يوجد الوصف، وذلك عندما يلتزم الناقد بلزوميات الشعر الوصفي، وتكون القراءة النقدية عبارة عن معلومات وانطباعات فقط، وفي هذا النقد يوجد المدح ايضا، وذلك عندما يكون هذا المؤلف او ذاك المخرج او تلك الممثلة محل إعجاب وتقدير من طرف هذا الناقد او ذاك، ويحضر الرثاء في الكتابة النقدية ايضا، وذلك من خلال مقاربات نقدية خاصة، وذلك عن المبدعين الذين انتقلوا إلى عفو الله، وبذلك يكسبهم جلال الموت قيمة مضافة خاصة، قيمة استثنائية يحضر فيها القول المأثور ( اذكروا موتاتكم بخير) حيث تكون الموضوعية العلمية غائبة او مغيبة، او تكون معطلة بشكل مؤقت
و المعروف عن المسرح هو انه فن موضوعي، وهو فن تحضر فيه الجماعة، و تغيب فيه وعنه ذات الكاتب، ويغيب فيه ذوق الكاتب، ولهذا يصعب ان تجد شخص شكسبير من بين كل شخصياته المسرحية المتعددة، فلا هو هملت، ولا هو يوليوس قيصر، ولا هو ماكبث، ولا هو الملك لير، ولا هو روميو، وبخلاف الشاعر في الشعر الغنائي، فإنه قدر الكتاب المسرحي هو ان يكتب عن كل الناس، وان ينسى نفسه، وفي النقد المسرحي العربي تنتفي تقريبا هذه القاعدة، ويكون اول من يظهر في كتابات الناقد هو شخص لكاتب نفسه، ونجده يستعرض ثقافته، و يستعرض معلوماته، ويقول، بغير كلام، هذا هو انا، وهذه هي الحكمة النقدية، والتي لا تقبل المراجعة ولا تقبل نقد النقد ولا تقبل النقض
ومعروف عن النقد المسرحي العربي اهتمامه بالأسئلة الجانبية والمناسبات، وبما يمكن ان يملى عليه في الندوات وفي المهرجانات الموسمية، والتي تستكتبه، وتعطيه الأسئلة الجاهزة، ومعها تعطيه اجوبتها، وهي تقول له (حلل وناقش)
ولعل اهم أخطر كل القضايا التي لم يطرحها هذا النقد المسرحي العربي هو سؤال الحرية، وهو سؤال الديمقراطية في المجتمع العربي، وهل يمكن وجود فن الحرية إلا في المجتمع المدني الحر؟ 


هل تعتقدون أن الكتابة عن المسرح أصبحت اليوم تواكب تطور الممارسة المسرحية العربية، أم أنها ما تزال أسيرة المناهج التقليدية والمفاهيم الكلاسيكية؟

 النقد المسرحي العربي ، عندما نقارنه بنقد الشعر او بنقد الرواية، او بنقد القصة، نجد انه يمثل الحلقة الأضعف، ربما لأن النقد الشعري قديم جدا، وان النقد المسرحي جديد وطارئ على الثقافة العربية، وان كثيرا من النقاد المسرحيين لم يستوعبوا بعد بنية المسرحية المركبة والمعقدة، والتي تختلف عن بنية القصيدة الشعرية العربية، ذات الصوت الواحد، والذي هو صوت الشاعر في الشعر، وهو صوت الكاتب في أغلب الكتابات المسرحية، ولعل هذا هو ما يجعل ،(انجح) الكتابات المسرحية العربية تمثلها المونودراما ذات الصوت الواحد، والذي هو صوت الكاتب نفسه، مما يجعل كثيرا من الكتابات المسرحية تتحول إلى جلسات للاعتراف وجلسات للبوح والتذكر 
ونعرف ان المسرحية هي لغات متعددة في لغة واحدة، وهي اصوات متعددة ومتداخلة ومتحاورة ومتحدة فيما بينها، وهي تحتاج الى كتابة خاصة، كتابة تراعي هذا التعدد والتنوع في بنيتها، كما ان قراءة هذه المسرحية قراءة نقدية تحتاج الى قراءة خاصة، يستحضر فيها الناقد كل لغات وكل مكونات هذه المسرحية، وان لا يقفز على اية لغة من اللغات، ولا على اي مكون من مكوناتها المتعددة والمتنوعة  
وبالنسبة للمسرح العربي، وهل حقق شيئا من التطور، فإنني اقول اعتقد بان المسرح العربي قد خلق شيئا من التطور، وقد يكون قد ضيع كثيرا من المكاسب التي تحققت من قبل في المسرح العربي، وهو، ماديا، قد يكون احسن في البنيات وفي التقنيات المسرحية، ولكنه فقير من حيث المسلمين الفكرية، ومن حيث المحتوى الفكري، وهذا هو ما يجعله اليوم يدور في دائرة مغلقة و مفرغة، معتقدا بانه يسير ويمشي، وهو يدور في مكانه، ينتج المسرحيات، ولكنه لا ينتج المسرح العربي الاصيل الذي يشبه إنسانه ويشبه جغرافية، ويشبه مناخه الثقافي، ويشبه لغاته، ويشبه تراثه، ويشبه احتفالاته اليومية، ويشبه اعياده السنوية المتجددة

كيف يمكن للمسرح العربي أن يحافظ على خصوصيته الثقافية والجمالية، من دون أن ينغلق على نفسه أو يتحول إلى مجرد محاكاة للتجارب المسرحية العالمية؟

في الستينات من القرن الماضي بدأ المسرح العربي يعيش مرحلة جديدة في مساره، وكان العنوان الأكبر لهذه المرحلة هو التأصيل، وهو البحث عن شكل مسرحي عربي اصيل يميزه عن باقي مسارح العالم، ولقد ظهرت في هذا البحث التأصيلي كثير من الأسماء وكثير من التجارب، وكانت إعادة قراءة التراث العربي في ضوء المسرح اهم عناوين مرحلة مهمة من تاريخ هذا المسرح، ولقد تمت مسرحة المقامات والمعلمات الشعرية، وتمت قراءة التاريخ العربي قراءة مسرحية، وتمت مراجعة كثير من فنون الحكي الشعبي العربي بعين المسرحي، ولقد تم هذا البحث في فن الراوي الشعبي وفن الحكواتي، تماما كما تمت قراءة التعازي الشيعية قراءة مسرحية، وكانت الاستفادة من فن الأرجوزة وفنون خيال الظل حاضرة ايضا، وكانت المحصلة النهائية هي وجود فرجة مسرحية عربية قريبة جدا من الذاكرة الشعبية وقريبة من الوجدان الشعبي، والتي تحضر فيه اسماء كثيرة من مثل جحا وعنترة و قراقوش وابن الرومي و امرؤ القيس ..
واليوم، وبعد تلك الحركة التأسيسية التي عرفها المسرح العربي في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، نجد أنفسنا أمام تيار تجريبي تغريبي، يتخلى عن اهم. أخطر المكتسبات الفكرية والجمالية التي أتى بها جيل كامل من الكتاب ومن المخرجين ومن النقاد ومن الباحثين المسرحيين العرب، والذين كان على رأسهم الدكتور علي الراعي في مصر وعلي عقلة عرسان في سوريا وعبد العزيز السريع في الكويت وعن الدين المدني والمنصف السويسي في تونس والطيب الصديقي واحمد الطيب العلج وحسن المنيعي في المغرب  

إذا طلب منكم إعادة كتابة كتابكم اليوم بعد سنوات من صدوره، فما الفكرة أو الفصل الذي ستعيدون النظر فيه في ضوء التحولات الفكرية والمسرحية الراهنة؟

اعتقد انه، إذا طلب مني ان اعيد كتابة كتاب (التيار التجريبي في المسرح العربي الحديث) فإنني سوف اعيد كتابته كما هو، من غير ان اغير فيه جملة او كلمة، لأنه لا شيء جديد اليوم في المسرح العربي، ونفس التيارات التي كتبت عنها في الكتاب هي التي مازالت في الساحة، ونفس الأسماء ونفس المشاريع المسرحية 
وضمن نفس منشورات الهيئة العربية للمسرح صدر لي كتاب اخر يحمل عنوان(التيار الاحتفالي في المسرح العربي الحديث) وهو الوجه الثاني للكتاب الأول، وهما معا يسيران في نفس المسار، ويبحثان في لحظتين فارقتين من لحظات المسرح العربي، وإذا كان التجريب يؤكد على جماليات الشكل وعلى جماليات الصورة. فان التيار الاحتفالي يبحث في المعنى الفلسفي للمسرح، والذي ينطلق من الاحتفال ومن التعييد ومن البحث عن الفرح، وبهذا تكون الاحتفالية اكبر وأخطر من ان تكون مجرد كتابة مسرحية او مجرد اخراج مسرحي او مجرد تمثيل مسرحي او مجرد شكل من اشكال التلاقي المسرحي، وهو اساسا فلسفة الإنسان في عصر الحروب وفي عصر الدمار وفي ايام حضرت فيها الآلة والآلية، وحضرت فيها التقنية في حياة الإنسان اليومية، ولهذا فقد أكدت هذه الاحتفالية على ان تكون هي ( التعبير الحر للإنسان الحر في المجتمع الحر) وان تحرص، في هذا المجتمع الوحشي الجديد على البحث عن (إنسانية الإنسان وحيوية الحياة ومدنية المدينة)

حدثنا عن فكرة كتابك المسرحي الذي صدر عبر الهيئة العربية للمسرح "التيار التجريبي في المسرح العربي الحديث"

 في كتاب ( التيار التجريبي في المسرح العربي) والذي نشرته (الهيئة العربية المسرح) ادرس فعل التجريب باعتبار أنه بوابة التطور والتجديد عبر التاريخ، والتجريب في المسرح هو شيء آخر غير المسرح التجريبي, والذي لا يمكن ان يكون له وجود, وانطلق في بحثي من المسلمة التالية، وهي ان الحياة تجربة وتجريب, وان كل المكتسبات وكل الخبرات وكل الابتكارات في حياة الأفراد والجماعات هي ثمرة التجربة التي نحياها، وهي ثمرة فعل التجريب، والذي نقوم به من اجل ان نتطور، ومن اجل ان نتجدد، ومن اجل ان نكون في مستوى العصر، وفي رايي فإن فان وجود فن من الفنون لا يجرب، فإنه لا يمكن ان يكون له مستقبل 

كيف كان تعاون الهيئة العربية للمسرح في إتمام فصول الكتاب؟

نعرف ان فعل نشر الكتاب المسرحي، سواء اكان ابداعا مسرحيا، او كان نقدا، او كان تأريخا للحركة المسرحية، عربيا وعالميا، له بالتأكيد أهميته وخطورته، ولا يكفي ان تشاهد العروض المسرحية في الملتقيات و المهرجانات المسرحية، اذا لم يكن لهذا المسرح جمهور، ولم تكن له ثقافة مسرحية تمكنه من ان يتلقى الرسائل المسرحية بشكل جيد
وايجاد هذه الثقافة المسرحية ينبغي ان تساهم فيها جهات متعددة، ابتداء من المدرسة ومن دور الثقافة ومن المنتديات المسرحية ومن المهرجانات ومن الإعلام المكتوب في الجرائد والمجلات، ومن الإعلام الناطق في الراديو، ومن الإعلام المصور والمثقف في التلفزيون 
واعتقد ان ما تقوم به الهيئة العربية للمسرح، وما تقوم به كثير من دور النشر المختلفة، له أهميته، ويحتاج فعل النشر الى ان يتم في إطار من مشاريع واضحة تخص كل جوانب الفعل المسرحي، ابتداء من النص المسرحي وانتهاء بالسينوغرافيا وبالممثل والتقنيات والاليات المسرحية المختلفة 

  
ما الدور الذي ينبغي أن تضطلع به المؤسسات الثقافية، وفي مقدمتها الهيئة العربية للمسرح، في دعم التأليف المسرحي والبحث الأكاديمي، بحيث لا يقتصر الدعم على إنتاج العروض، بل يمتد إلى بناء مشروع معرفي عربي متكامل حول المسرح؟


ويبقى السؤال، بخصوص واقع الكتاب المسرحي العربي، وهل هو اسعد حظا من العروض المسرحية العربية، والتي ضيعت جمهورها، وفقدت الشغف المسرحي؟ وهل هذه الكتب التي مازالت تطبع لها من يقرأها؟ 
اعتقد اننا بحاجة إلى ادخال الذهاب الى المسرح في عاداتنا المتعددة والمتنوعة، كما اننا بحاجة لجمهور مسرحي يشاهد العروض المسرحية ويقرأ النصوص المسرحية ويطلع على النقد المسرحي ويكون له إلمام بتاريخ المسرح العالمي، وتكون لها معرفة بالتجارب المسرحية العربية والعالمية
وفي مجال نشر الكتاب المسرحي ارى انه ينبغي ان تكون هناك مشاريع طويلة الامد، وتحدد منذ البدء ماذا تريد، وإلى أين تريد الوصول، وما هي النتائج العلمية والفكرية التي تسعى إلى تحقيقها، وان يكون هناك هيئة من الحكماء التي تخطط، وتختار المواضيع والمضامين وتختار الكتاب، وان لا تنسى الترجمة من اللغات الاخرى ، والتي يمكن من خلالها أن تفتح الباب على التجارب المسرحية العالمية 

ما مدى تطور المسرح والمشهد الثقافي السعودي ومواكبته للتطورات العالمية؟

اعرف ان الحركة السعودية ليست وليدة اليوم، وانها قديمة، ولها رواد وتجارب مسرحية متعددة، وان الحقل المسرحي قد تطور بشكل ملفت في العقود الأخيرة، وهذا نتيجة التفتح السياسي ونتيجة اجتهاد المسرحيين في السعودية 
واعرف ان أشهر الأسماء في المسرح السعودي هو اسم المسرحي العميد حسين عبد الله سراج، والذي كتب اول مسرحية في تاريخ المسرح السعودي سنة 1933والذي يعتبر مؤسس الدراما الإذاعية
كما اعرف سيدة المسرح السعودي الدكتورة ملحة عبد الله، صاحبة نظرية البعد الخامس في النقد المسرحي، ولقد كنت عضوا في لجنة التحكيم في مهرجان الفجيرة الدولي المونودراما، والتي اعطتها الجائزة الأولى عن مسرحية (البيانو) والتي ادتها واخرجتها الممثلة والمخرجة المغربية لطيفة احرار، والتي هي اليوم مديرة المعهد العالي للفنون المسرحية والتنشيط الثقافي بمدينة الرباط بالمغرب
كما كانت لي صداقة مع الكاتب المسرحي محمد العثيم رحمه الله, واعرف الأستاذ عبد الرحمن لمريخي وصديقي فهد ردة الحارثي وكل فناني مدينة الطائف، ابراهيم العسيري وعبد العزيز العسيري