الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٦ سبتمبر-٢٠٢٦       7645

حوار ـ حسين السنونة

عن تجربته المسرحية يقول المسرحي والكاتب والروائي الفلسطيني راضي شحادة لـ"صحيفة النهار" تجربتي مع المسرح العربي بشكل عام، نابعة من قراءاتي ومن مشاركاتي، على سبيل المثال في "مهرجان المسرح التّجريبي" في القاهرة، وفي بعض مهرجانات "الهيئة العربيّة للمسرح"، وبعض المهرجانات في المغرب العربي. هنالك تطوّر ملحوظ جدّاً في التّجارب المسرحيّة التي أصبح المخرج والمؤلّف أو أحيانا المخرج/المؤلّف واعياً جداً للفَرْق الشاسع بين النّص المكتوب أدبيّاً على ورق، أي بشكل أدبي، وبين النّص المعمول بهدف تقديمه كعرض مسرحي على المنصة أمام الجمهور. لا بدّ من عين مسرحيّة قوية وثاقبة تستطيع أن تحوّل النص الأدبي الى نص مسرحي معروض على المنصّة، وأقوى النّصوص هي النّابعة من تجارب المؤلّف/المخرج من خلال معرفته الفَطينة لمتطلّبات اللعبة المسرحية وعناصرها التي لا يفقهها الكاتب الأديب، إلّا إذا كان واعياً للعمليّة الإخراجيّة، ولتضافر العناصر اللاعبة على المنصّة، والتي ليست بالضّرورة هي عناصر الكتابة الأدبيّة.

 

ما الذي أضافته مشاركتك في "مهرجان الهيئة العربيّة للمسرح" إلى تجربتك الفنيّة، سواء على مستوى العرض أو الإخراج أو الحوار أو التّمثيل مع تجارب مسرحيّة عربيّة مختلفة؟


     مهرجانات "الهيئة العربيّة للمسرح" المتنقّلة بالتّناوب كلّ سنة بين الدول العربيّة تُعدّ بالنسبة لي "جَمْعة" مُباركة، يجتمع فيها فنّانون عرب من كلّ العالم العربي، والتي أعتبرها "جَمعة" ثقافية قوميّة ننهل من خلالها من تجارب المسرحيّين العرب بحِرفيّتهم، بإبداعاتهم، وبعطائهم المجتهد لكي يبرزوا ما لديهم من طاقات متفجّرة في مجال المسرح، الفنّ الذي يحمل كلّ عناصر الفنون الأخرى، ويحاول كلّ منهم إظهار أسلوبه وتميّزه، ما يجعل "الجَمعة" مُغنية للحواس والتّجارب والمعرفة والتّثقّف، ولتقوية أواصر العلاقات التي تجمعنا في المشترك بيننا كعرب من عالمنا العربي، وهو ما كنّا نحن فلسطينيّي الـ48، الذين بقينا في وطننا في الجليل والمثلث والنقب محرومين منه بعد أن تفرّق القوم أيدي سبأ، وبعد أن عُزلنا عن عالمنا العربي بسبب الاحتلال الإسرائيلي. 

ما القضيّة أو الفكرة التي حرصتَ على إيصالها من خلال العمل الذي قدمته في المهرجان، وكيف كان تفاعل الجمهور معها؟ 


كيف ترى عمل "الهيئة العربيّة للمسرح" من خلال المهرجانات العربية للمسرح او إصدار الكتب المسرحيّة والورش وغيرها؟ حدثنا عن دور "الهيئة العربيّة للمسرح"، وما تقوم به من أجل مسرح عربي كبير وانتشار الثّقافة المسرحيّة في العالم العربي؟
     أُتيحتْ لي المشاركة في بعض دورات المهرجان، أحياناً كباحث وأحياناً كعضو لجنة تحكيم، وأحياناً أخرى كضيف شرف. كوني مسرحيّاً وباحثاً، استطعتُ أن أقدّم بعضاً من أبحاثي، وأنشر بعضها في المنشورات المتنوّعة لـ"الهيئة العربيّة للمسرح"، بالإضافة الى أنّ الهيئة أصدرت لي كتابين بحثيين وهما: "الجسد الآدمي والمخلوق المسرحي"، وكتاب "الهُويّة المسرحيّة ومَسرح الهُويّة"، وهما كتابان يتطرّقان بشكل موسّع تنظيريّاً وتطبيقيّاً عن الأفكار والتّوجهات التي أنتهجها في تجربتي المسرحيّة، وعن تجارب لنماذج مسرحيّة أخرى لآخرين. بالإضافة الى مشاركتي في النّدوات الغنيّة التي تقيمها "الهيئة العربيّة للمسرح" خلال كل مهرجان، وهي مشحونة بالخبرات الإبداعيّة للمسرحيّين المشاركين في المهرجان.
     إنّ إصدار كُتب ومجلّات في مجال المسرح بهذا الشّكل الكثيف والغزير من قبل "الهيئة العربيّة للمسرح"، يشكّل خزّاناً من المعارف والخبرات التي نفتقر اليها. ناهيك عن الورشات المسرحيّة التي يقوم بها المسرحّيون خلال المهرجانات، وجميعها مُقدَّمة بكَرَم فائق، ما يجعلنا نستفيد من تجارب الآخرين وتوجّهاتهم وأساليبهم، ما يساعدنا على تفادي تكرار تجاربنا، او تقليدها أو في حال عدم تعرُّضنا لهذه التَّجارب، فإنّ ذلك يجعلنا نتفادى بدء تجاربنا من نقطة الصفر، بل يشحننا ذلك بتقديم الجديد والمتميّز والمختلف.

يشهد المسرح العربي اليوم تحوّلات جماليّة وتقنيّة متسارعة؛ برأيك، كيف يمكن المحافظة على هُويّة المسرح العربي مع الانفتاح على التّجارب العالميّة؟


 من مشاهداتي الكثيرة للأعمال المسرحيّة العربيّة من خلال مهرجانات "الهيئة العربيّة للمسرح"، انتبهتُ الى القفزة الكبيرة في مستوى جماليّات العروض لدى بعض الفرق المشارِكة، بحيث تتكامل عناصر العرض المسرحي لدرجة الإبهار الفُرجويّ التي تحمل النّص المعروض. لاحظتُ أيضا أنّ بعض الفرق لديها إمكانيّات إنتاجيّة ضخمة، نفتقر إليها نحن هنا في مسرحنا الفلسطيني، إلّا إذا كانت مدعومة ماديّاً من المؤسّسة الرسمّية. المسرح مجال مُكلِف، وخاصةً في الأعمال المسرحية الاستعراضيّة، والتي تحتوي على مجاميع بشريّة كبيرة مُشارِكة في العمل. ولكن، وأقولها بعَتب، هنالك بعض الأعمال التي انتهجت البَهرجة العرضيّة، وتكديس كمّيات كبيرة من الدّيكورات والتّقنيّات، على حساب المضمون والفحوى العامة التي يجب أن يحملها "الجسد" الكلّي للعرض. أنا مع إغناء حواس الـمُشاهد بكل عناصر الفن المسرحي، ولكن شريطة أن يكون ذلك جزءاً من الجسد الكلّي للعمل، وليس بهدف البَهرجة التي تعتمد على التّقطّع في الأداء، بحيث يصبح العرض في المحصلة ذاهباً في الطّول وليس في العمق. عندما تتوفّر الإمكانيّات الإنتاجيّة الماديّة يكون من الخطورة استعمالها على حساب الشّخصيّة الكليّة الحاملة للعرض بمجمله، كجسد مترابط العناصر والفحوى والشّكل.
   بشكل عام، قد يكون أسهل على الفِرق المسرحيّة العربيّة ومسارحها الحصول على تمويل من مؤسّساتها ودولها، بينما هذا الأمر أصعب بكثير على المسارح والفرق المسرحيّة الفلسطينيّة حيث تلعب دورها ظروف الاحتلال والظروف السّياسيّة المعقّدة والقاهرة، فالدّعم المقدَّم لإنتاج الأعمال المسرحيّة يكون خاضعاً لمؤسّسات الاحتلال الرسميّة التي تقدّمه، ما يجعل الحاصلين على هذا الدّعم عرضة للمراقبة، وملاحقتهم في حال تحوّلت أعمالهم الى تحريض، او الى تعبير بشكل مباشر عن هُويتهم الفلسطينيّة، ويصبح الدّعم هنا أداة ضغط، بين أن يكون المنتجون للعمل بحاجة الى التّعبير الحرّ عن إبداعاتهم، وبين الحاجة الى الارتزاق من مجهودهم الإبداعي تحت رقابة المؤسّسة الرسميّة. أوضّح هنا أن هذا الأمر يخصّ الفرق والمسارح في منطقة الـ48 الخاضعة لقوانين ومؤسّسات السّلطات الإسرائيليّة.

ما أبرز التّحدّيات التي تواجه المسرحي العربي اليوم: الإنتاج، أم الجمهور، أم حرية التّجريب، أم غياب البنية المؤسّسيّة الدّاعمة؟ وكيف يمكن تجاوزها؟


     هذا سؤال جوهري جدا. عملية الإنتاج المسرحيّة مكلفة مادّياً، فقد ولّى زمن أن يكون محترفو المسرح متطوعين في عملهم. ناهيك عن أنّ الإنتاج ذاته بكلّيته مُكلِف من البداية الى مرحلة الوصول الى العرض المسرحي، من أُجرة طاقم المشاركين، والتقنيّات المطلوبة، وما يتبع ذلك من مصاريف عروض وقاعات، ومدخول تذاكر لا يكفي لتغطية المصاريف المرتبطة بإنتاج العمل وعرضه لعدّة عروض. وهذه الـ"عدّة عروض"، تصطدم بواقع أصعب، فكم عرضاً تستطيع الفرقة تقديمه، وبخاصة العروض المسرحيّة الاستعراضيّة المكلفة، أو التي يشارك فيها أعداد كثيرة من الطاقم الكلي من المشاركين في العمل؟
     وأما المسرح بشكل عام، فهو يتعرّض للحصار بشكل مخيف، حيث أنّ المسرح يلعب لعبته في جغرافية ضيقة لا تتعدّى مساحة القاعة والبلد الذي يحدث فيه العرض، فالـمُشاهِد سيبذل جهداً ويدفع مصروفاً للخروج من البيت لمشاهدة عرض مسرحي، بينما هو يشعر أنّه منفتح على بحبوحة من الميديا الحديثة غير المسرحيّة التي تستهلكه زمنيّاً، وتغنيه عن التّفكير في المسرح كمجال ترفيهي يسدّ حاجته، كما يشعر بأقل مجهود، وبأقل تكلفة، من مشاهدة المسرح. ومن هذا المنطلق، فيمكنني القول أنّ المسرح أصبح نخبويّاً. يميل الجمهور أكثر الى الأعمال الموسيقيّة والغنائيّة، بحيث تجد آلاف المشاهدين في قاعة النشاط الغنائي والموسيقي، وبعض المئات او العشرات خلال العرض المسرحي.
     بالنّسبة لحريّة التّجريب في المسرح، فهي أمرٌ طبيعي، ولكنّني لاحظت من خلال بعض مشاهداتي لبعض الفرق والأعمال المسرحيّة، بأنّ منتهجي نظرية "المسرح الجادّ"، وهو ما لاحظته عند بعض الفرق العربيّة خلال مهرجانات "الهيئة العربيّة للمسرح"، أنّهم يظنّون أن المسرح الجادّ معناه المسرح "العَبوسْ"، ومعناه أن المسرح ليس من أجل "الترفيه"، وينسون أن الترفيه والجدّية عنصران ملازمان للمجال المسرحي بشكل طبيعي عبر الزّمن. شاهدتُ بعض الأعمال المسرحيّة التي خلال ساعة ونصف من مدّة العرض، فأنا لم أطالب بأن يضحكونا أو يكون عملهم كوميديّاً لكي يرفّهونا، ولكنّهم كما نقول بلهجتنا الفلسطينيّة: "لا يضحكون للرّغيف السّخن"، أو ولو يتكرّمون بابتسامة خفيفة، كما هي طبيعة الحياة، وضمن هذا المفهوم لا نستطيع القول أن هذا المسرح هو مسرح "جادّ"، بل مسرح "كِشِرْ"


ما هو المشروع أو الحلم المسرحي الذي تسعى إلى تحقيقه، وما الذي تتمنّى أن يقدّمه "مهرجان "الهيئة العربيّة للمسرح" مستقبَلاً لدعم الفنّانين العرب؟ في ظلّ التّحوّلات السّياسيّة والاجتماعيّة والثّقافيّة التي يعيشها العالم العربي، هل ما زال المسرح قادراً على التأثير في الوعي العام، أم أصبح دوره يقتصر على النّخب الثقافية؟ ولماذا؟ 


     أقترح على "الهيئة العربيّة للمسرح" أن تُكرّس ميزانية لإنتاج ولو عمل واحد يشارك في المهرجان، وليس بالضّرورة أن يشارك في المسابقة، بحيث يتمّ تقديم نصوص من قبل مؤلّفين او فِرَق، ويُختار منها عمل واحد لكي يتمّ إنتاجه.
     ما تقدّمه "الهيئة العربيّة للمسرح" للفنّانين العرب هو كبير، لمجرَّد "جَمعهم" في "جَمعة" عربيّة يتجاذبون فيها أطراف إبداعاتهم، وينشحنون من بعضهم البعض، في مرحلة خطيرة شتّتتنا الظّروف فيها وفرّقتنا أيدي سَبأ. هذه اللمَّة مشحونة بشحنات إنسانيّة وعربيّة وقوميّة تجذّر فينا انتماءنا الحضاري، كأُناس لدينا عالـَم إسمه "العالم العربي". 

في ظلّ التّحولات الاجتماعيّة والسيّاسيّة والرّقميّة التي يعيشها العالم العربي، ما القضيّة المسرحيّة التي ترى أن النّقد العربي لم يمنحها ما تستحقه من اهتمام، ولماذا؟


     بالإضافة الى ما ذكرته سابقاً، نحن نمرّ بأزمات اجتماعية وسياسيّة ورقميّة لا حصر لها. ما يطمئننا كفنّانين بأننا أصبحنا مُلمّين في التّجارب العالميّة، ولدينا خامات شبابيّة محترفة في جميع المجالات، والتي تشكّل رصيداً لا بدّ أن يثمر ويَنتج عنه تجارب راقية وواعية ومبدعة. وأما القضيّة، أم القضايا، المحرومة من الأعمال المسرحيّة التي تَطرُقُ أبوابَها، وتتطرّق اليها، فهي القضيّة الفلسطينيّة. شاهدتُ أعمالاً يتيمة عن القضيّة الفلسطينيّة، ولكنّها غير كافية. أقترح أن يُخصَّص ولو عمل واحد عن القضيّة الفلسطينيّة، او ما يرمز اليها، خلال كلّ مهرجان من مهرجانات "الهيئة العربيّة للمسرح". ومرّة أخرى، ليس بالضّرورة أن يكون هذا العمل ضمن قائمة المتسابقين، لكي لا يُفسر الأمر أنّه تحيّز، وليس المطلوب أن يكون العمل شعاراتيّاً أو منبريّاً، بل فيه كل مقوّمات عناصر العرض المسرحي. كم هو جميل أن نشاهد أحد هذه الأعمال التي يشارك فيه فنّانون من العالم العربي يحمل موضوعه شيئاً ما يتعلّق بالقضيّة الفلسطينيّة. 

هل تعتقد أن الكتابة عن المسرح أصبحت اليوم تواكب تطوّر الممارسة المسرحيّة العربيّة، أم أنها ما تزال أسيرة المناهج التّقليديّة والمفاهيم الكلاسيكيّة؟


     تجربتي مع المسرح العربي بشكل عام، نابعة من قراءاتي ومن مشاركاتي، على سبيل المثال في "مهرجان المسرح التّجريبي" في القاهرة، وفي بعض مهرجانات "الهيئة العربيّة للمسرح"، وبعض المهرجانات في المغرب العربي. هنالك تطوّر ملحوظ جدّاً في التّجارب المسرحيّة التي أصبح المخرج والمؤلّف أو أحيانا المخرج/المؤلّف واعياً جداً للفَرْق الشاسع بين النّص المكتوب أدبيّاً على ورق، أي بشكل أدبي، وبين النّص المعمول بهدف تقديمه كعرض مسرحي على المنصة أمام الجمهور. لا بدّ من عين مسرحيّة قوية وثاقبة تستطيع أن تحوّل النص الأدبي الى نص مسرحي معروض على المنصّة، وأقوى النّصوص هي النّابعة من تجارب المؤلّف/المخرج من خلال معرفته الفَطينة لمتطلّبات اللعبة المسرحية وعناصرها التي لا يفقهها الكاتب الأديب، إلّا إذا كان واعياً للعمليّة الإخراجيّة، ولتضافر العناصر اللاعبة على المنصّة، والتي ليست بالضّرورة هي عناصر الكتابة الأدبيّة.
     وأما الكتابة عن المسرح، فهنالك الكثير من الأبحاث عن المسرح، ولكن هنالك القليل جدا من النُّقَاد المسرحيّين. النّاقد المسرحي يساهم مساهمة كبيرة في تسليط الضّوء على جماليّات وفحوى العرض المسرحي، ويساعد المشاهد والقارىء على الرّقي بذائقته الجماليّة والشّكليّة والمضمونيّة التي يفطّنه بها النّاقد من خلال التّحليل والتّعمّق والتّقييم، ما يشكل خطوة مهمة للتقدّم نحو ذائقة إبداعية راقية وجوهريّة وتثقيفيّة. ومن حُسن حظّنا كعرب أنّ هنالك كُتباً ومجلّات تَصدر بكثافة عن المسرح، يدلو فيها الباحثون والنّقاد بدلائهم، وهذا خير وبركة، وتقوم "مجلة المسرح العربي" التي تصدرها "الهيئة العربيّة للمسرح" بدور نشط في هذا المجال، وكذلك الأمر بالنسبة لـ"مجلة الفنون المسرحية" و"مجلة المسرح" ..وغيرها.

كيف يمكن للمسرح العربي أن يحافظ على خصوصيّته الثّقافيّة والجماليّة، من دون أن ينغلق على نفسه، أو يتحول إلى مجرد محاكاة للتّجارب المسرحيّة العالميّة؟


     بعد أن ترسّختْ مدارسُ او مذاهب المسرح عبر قرون، أصبح من الصعب اختراع مدرسة خارجة عن القواعد العامّة، اللهم إلا إذا كانت بعض التّجارب تُجرَّب، بحيث يكون المنتوج إمّا هجيناً أو خليطاً جديداً لتجارب اجتهاديّة متميزة. أما بخصوص تجاربنا العربيّة، فإنني شاهدتُ بشكل ملحوظ عروضاً مسرحيّة مُعَصرنة عن التراث العربي، أو التراث الذي يخصّ أصحاب العرض، وهو ما انتهجه بعض المسرحيّين الخليجيّين بشكل ملحوظ، وهذا قد يشكل نقطة انطلاق الى أعمال فيها من شكل ورائحة وروح التراث، ولكنّها موجّهة الى الـمُشاهِد العصري الذي يرغب أن يكون الإبداع عصرياً، ولكن لا بأس أن يكون مرتبطاً بالجذور. نستطيع أن نستعمل كلّ التّقنيّات العالميّة من أجهزة إضاءة وأجهزة صوت وديكورات ومواد لصناعة الأقنعة والدمى، وأزياء مستحدَثة، ولكن في العمق فالموضوع المطروق هو الذي تبقى فيه حرّيتنا في التّعبير المضموني والشّكلي والحضاري والأخلاقي الذي يخصّنا ويميّزنا، فنحن جزء من العالم واختراعاته، ولكنّنا كما الآخرين يتميّز كلّ منّا بحضارته وثقافته وجذوره، وهنا تكمن قوّة "بيرتولد بريخت" عندما قال: "علينا أن نأخذ الوجه الضّروري من التراث"، وليس استنساخه بشكل متحفيّ، وكما قال "الجاحظ": "كل قديم حديث في عصره".

ما هو الدّور الذي ينبغي أن تضطلع به المؤسّسات الثّقافيّة، وفي مقدمتها "الهيئة العربيّة للمسرح"، في دعم التأليف المسرحي والبحث الأكاديمي، بحيث لا يقتصر الدّعم على إنتاج العروض، بل يمتدّ إلى بناء مشروع معرفي عربي متكامل حول المسرح؟


     النّصوص المسرحيّة والأبحاث والكتب الكثيرة التي تنتجها "الهيئة العربيّة للمسرح" هي مصدر للمعرفة، وللانتقاء منها بما يناسب أصحاب الاختصاص والمسرحيّين. كذلك فإن ترغيب الأجيال الناشئة وطلاب المدارس لحبّ المسرح من خلال إدخال موضوع المسرح كجزء من المنهاج الدراسي، وفسح المجال للاختصاصيّين في تقديم ورشات مسرحيّة على نطاق واسع، يوسّع مجال الاهتمام في المسرح، حتى وإن قاد ذلك الى تقديمه للهُواة، ومع تراكم التّجربة يصبح الزّمن كفيلاً بخلق جيل مهتم بالإبداع والمسرح بشكل خاص. هذا الدّور تقوم به "الهيئة العربيّة للمسرح" في العالم العربي.


 حدّثنا عن المسرح الفلسطيني؟ وما هي العقبات التي تقف دون تطوّره؟


     تتفرّع تجارب المسرح الفلسطيني مع تفرّع تواجد الشّعب الفلسطيني، حيث أنه هنالك مسرحيّون يمارسون مجال المسرح عبر حدود الـ48، أي فلسطينيّو الدّاخل الذين، مرغمٌ أخاك لا بطلاً، يحملون المواطنة الإسرائيليّة، هم الجزء الذي بقي في وطنه الأم بعد أن قامت "إسرائيل" مكان وطنهم فلسطين. والجزء الآخر الذين يعيشون في الضفّة الغربيّة وقطاع غزة، والجزء الأخير الذي يعيش في الشّتات. وبما أنّ المسرح يقوم على جغرافية ضيّقة، حيث تتم معظم النّشاطات المسرحيّة قريباً من أماكن إنتاجها، فقد أنتج ذلك تجارب مسرحيّة كثيرة، ولكنّها متباعدة جغرافياً عن بعضها البعض، وحظي بعضها بالتّجوال أبعد من مكان جغرافيتها، وبقي القسم الأكبر يُعرض وتقام نشاطاته ضمن قاعات او أماكن تواجد تلك المجموعات والمسارح.
     وكما ذكرتُ سابقاً، فكلّما ضاق الخناق المادي على المسرح، كلّما اضطر ممتهنوه او ممارسوه الى تحمّل ما ينتج عن ذلك من ضيق الحال الدَّعْمي والمادي، وخاصّة أنّ مجال المسرح بحاجة الى دعم مادّي، لأنّ المدخول المادّي من العروض والنشاطات لا يكفي لسدّ حاجاته بشكل كافٍ، ما يؤدّي الى انسحاب مُنتهجيه، أو اضطرارهم إلى تقسيم أوقاتهم بين عمل يرتزقون منه، وبين حبّهم لمتابعة عملهم في مجال المسرح، وهذا بدوره يصعّب عمليّات الانتاج وكميّتها وأحياناً يؤثّر على جودتها.
     عملية التّنقّل والانتشار للعروض المسرحيّة في وضعنا كفلسطينيّين مسألة غاية في الصّعوبة، بينما يستطيع المسرحيّون العرب التّنقّل، بشكل عام، في أرجاء العالم العربي، أو في أرجاء وطنهم، والمشاركة في الفعاليّات المشتركة، بينما يصعب ذلك في حالتنا كفلسطينيّين، حتى على نطاق وطننا الصغير المجزّأ والمعرّض لهزّات سياسيّة، ولحواجز عسكريّة وقمعيّة لا حصر لها، ناهيك عن صعوبة الحصول على ميزانيّات تسدّ حاجة المسرحيّين، حيث لا يكفي مدخول العروض لذلك، والذين يحصلون على الدّعم، أي المسرحيّون الحاصلون على المواطنة الإسرائيليّة، فإنّهم يرضخون لقوانين تمييزيّة، بحيث تُخصَّص ميزانيات كبيرة لليهود، وميزانيات قليلة للعرب، كجزء من حقّهم في المواطنة في دولة تشدّد وتؤكّد على يهوديّتها، وعدم الاعتراف بحصّة الفلسطينيّين في حرّية تقرير مصيرهم. وهذا موضوع مركّب ومعقّد يتداخل فيه الصّراع السّياسي الضاغط مع الصراع من أجل البقاء، بين حبات المطر، بينما الأرجل غاطسة في الوحل.

ماذا تقول عن حضور المسرح الفلسطيني في المهرجانات العربيّة؟ وهل هو مرضي بالنسبة لك؟


     حضور المسرح الفلسطيني في المهرجانات العربيّة خيرٌ وبركة، وانفتاح على المسارح والجماهير العربيّة، ولطالما حُرم المسرح الفلسطيني من ذلك بسبب الحدود والعوائق، وعدم وصول شعبنا الفلسطيني الى مرحلة الاستقلال الوطني، ومرحلة تقرير المصير. التواصل من جهة بين فلسطينيّي الـ48 والضفة الغربية وقطاع غزة مع العالم العربي من جهة أخرى ليس أمراً سهلا لما يكتنفه من معيقات سياسيّة وتأشيرات مرور، وحتى جواز السّفر الذي تُصدره السّلطة الفلسطينيّة مكتوب عليه أنّه وثيقة مؤقتة خاضعة مرحليّاً لـ"اتفاقيّات أوسلو"، التي يعتبرها الفلسطينيّون شبه لاغية، ويعتبرها الإسرائيليّون سارية المفعول لصالح "إسرائيل". وأما الفلسطينيّون الموجودون ضمن حدود الـ48 الذين يُسمّون "الفلسطينيون في إسرائيل"، ويحلو للبعض تسميتهم "عرب إسرائيل"، أو أخف وطأً "العرب في إسرائيل" فإذا أرادوا السّفر الى مصر على سبيل المثال، فإنهم مضطرّون للرّضوخ لاتّفاقيات "كامب ديڤِدْ" حيث يُطلب منهم إصدار تأشيرة مرور من السّفارة المصريّة في "تل أبيب"، أي أنهم يحملون جواز السّفر الإسرائيلي بصفتهم المواطنيّة كسُكان "إسرائيل" وليس في فلسطين، حسب القوانين والاتفاقيّات الـمُبرَمة بين العرب و"إسرائيل".
     أهميّة تفاعل المسرح الفلسطيني مع المسرح العربي بشكل عام، واللقاء، وتبادل الخبرات، والأعصاف الذّهنية المرافقة لهذه اللقاءات هو خير وبركة، وبخاصة أنّه بسبب ظروفنا كفلسطينيّين لم يتحقّق بعد استقلالنا الوطني، فإنّ تلاحمَنا وتعاضُدَنا وتناصُرَنا الثّقافي مع بعض يزيد من شعورنا بانتمائنا لعالم عربي يجمعنا ويشكل نقطة قوّة حضاريّة تجمعنا، فنتأثر ونؤثر ونتفاعل، ونبني علاقات مقويّة لوجودنا ولثقافتنا ولحضارتنا المشتركة.

برأيك، هل الأحداث العالميّة تؤثّر على المسرح الفلسطيني؟


     الأحداث العالمية تؤثر على جميع مجالات الحياة، وليس فقط على المسرح الفلسطيني، ولكن، لكون المسرح هو مجال تواجُهيّ مع الجمهور، فإنّه يتّخذ أحياناً شكلاً تظاهرياً يُعبّر عن هُويّة حاملي تلك الهُويّة. إنه ليس كالشِّعر، أو الكتابة، أو كالفن التّشكيلي وغيرها من المجالات التي لا تتطلّب مجاميع بشريّة خلال عمليّة الإنتاج، أو عمليّة العرض. وأما الأحداث العالميّة فإنها في زمن انكشاف العالـَم على ذاته عبر وسائل ثورة الميديا، يعطي المبدع إمكانيّة الاتّساع في وجهة نظره عندما ينوي القيام بعمليّته الإبداعيّة. تلعب النّاحية الماديّة والسّياسيّة دوراً ضاغطاً على الفنّانين لكي يعبّروا بـِحُريّة عمّا يريدون، لا بل يلجأ بعض الفنّانين إلى الرّقابة الذّاتيّة عندما لا يَتوفَّر لديهم مساحة كافية من الدّيمقراطيّة وحريّة التّعبير، ما قد يجعلهم مرتبكين بين حاجتهم للارتزاق وحبّ الشّهرة، وبين ميلهم للتّعبير الحرّ الذي قد يعرّضهم للخطر، أو قد يلجؤون الى الرّقابة الذّاتية لكي يضمنوا الاستمراريّة.
     طبعاً الأحداث العالميّة التي تُرضِخ الأحداث المحلّية لنفوذها، مثل الاحتلال وظروف القمع، والحروب، تجعل العمل في مجال المسرح صعباً جدّا لأنّ المسرح يتطلّب تجمّع النّاس، الجمهور، المشامعون(المشاهدون والسّامعون) في مكان العرض، وقد يبدو ضرباً من الجنون تقديم عرض مسرحي في المكان الذي يتمّ فيه قتل البشر وحرمانهم من أبسط احتياجات الحياة من أمن وأمان ومن بيت وملبس وطعام وطبابة. 

ما مدى تطوّر المسرح والمشهد الثّقافي السّعودي ومواكبته للتّطورّات العالميّة؟


     للأسف لا يوجد لدي تجربة معرفيّة بالمسرح السّعودي، أللهم إلّا من خلال بعض مشاهداتي المسرحية خلال المهرجانات العربيّة. بشكل عام، أمنيتي أن يزداد دور المرأة في حياتنا الثّقافيّة، بحيث تشارك في إبداعاتها الجمّة جنباً الى جنب مع المبدعين السّعوديّين والعرب. ومن خلال متابعاتي الإعلاميّة للمشهد الثّقافي السّعودي أرى أنّ هنالك نقلة نوعيّة في دور المرأة السّعوديّة في الإبداع بشكل عام، وربما أيضا في دورها في الأعمال المسرحيّة، ولكن لا بدّ أن يكون الأمر أكثر كثافة وحضوراً.