الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٣ أغسطس-٢٠٢٦       3465

حوار ـ نورة محمد بابعير

بين الأكاديمية والصحافة والأدب، أحمد بن قران الزهراني، كاتب وشاعر وأكاديمي، امتدت تجربته إلى الكتابة الأدبية والثقافية، فجمع في مسيرته بين المعرفة وجماليات الشعر والصحافة والإعلام،وترك لكل مجال أثره في تجربته الكتابية التي عكست هذا التنوع في اهتماماته وحضوره المعرفي

البداية بين الشعر والكتابة …

س1. حين تنظر اليوم إلى بداياتك، هل ترى أن الشاعر هو من اختار القصيدة، أم أن القصيدة هي التي اختارت أحمد الزهراني؟ وكيف تتذكر أول لحظة أدركت فيها أن الشعر سيكون جزءا من هويتك؟

- لم يكن الأمر عندي قرارا واضحا من نوع: سأكون شاعرا، بدأت العلاقة مع الكلمة بهدوء، ثم وجدت أن الكتابة أصبحت المكان الذي أستطيع فيه أن أقول أشياء لا أقولها بالطريقة نفسها في الحياة اليومية، ومع الوقت لم تعد القصيدة مجرد استجابة لموقف أو شعور عابر، بل أصبحت طريقة في النظر إلى الأشياء، بدأت محاولاتي الأولى في المرحلة المتوسطة، وكانت كتابات بعيدة عن الشعر بصورته التي أعرفها اليوم، لكنها كانت البدايات الأولى لاكتشاف علاقتي بالكلمة، وفي المرحلة الثانوية بدأت ملامح هذه الكتابة تتضح أكثر، وأصبحت أقرب إلى الشعر، أما في الجامعة فأستطيع أن أقول إن مرحلة الكتابة الشعرية الحقيقية بدأت، حين أصبحت أكثر وعيا بما أكتب وبالصوت الذي أبحث عنه.

س2. لكل شاعر تعريفه الخاص للشعر، بعيدا عن تعريفات النقاد، كيف يعرّف أحمد الزهراني الشعر؟ وهل ترى أن الشاعر يولد بهذه الحساسية، أم تصنعه التجربة؟

- الشعر عندي يبدأ من طريقة مختلفة في رؤية الأشياء قبل أن يتحول إلى كلمات، قد يمر الناس بالمشهد نفسه، لكن الشاعر يتوقف عند تفصيل صغير ويشعر أن وراءه شيئا يستحق أن يُكتب، وهذه الحساسية لا أظن أن التجربة تصنعها من الصفر؛ هناك استعداد ما يولد مع الإنسان، لكن الاستعداد وحده لا يصنع شاعرا، القراءة توسع رؤيته، والحياة تختبره، والتجربة تمنحه العمق، والتجربة مع الوقت تهذّب هذه الحساسية وتمنحها نضجا أكبر، فالموهبة وحدها لا تكفي، وإنما تحتاج إلى قراءة وتجربة وممارسة مستمرة حتى يتشكل للشاعر صوته الخاص.

س3. لديك مؤلفات في الإعلام والثقافة إلى جانب دواوينك الشعرية، كيف يلتقي المؤلف بالشاعر في تجربتك؟ وأين يفترقان؟

- يلتقي المؤلف والشاعر في اللغة وفي الانشغال بالإنسان، لكنهما يختلفان في الطريقة التي ينظر بها كل منهما إلى العالم، حين أكتب في الفكر أو الثقافة أو الإعلام أبحث عن الفكرة، أحاول أن أفهمها وأفككها وأقيم عليها الحجة، لأن القارئ هنا من حقه أن يعرف كيف وصلت إلى ما أقول، أما في الشعر فالأمر مختلف؛ فالقصيدة لا تأتي دائما لكي تفسر العالم، وربما كانت مهمتها أحيانا أن تزيده غموضا جميلا، أو أن تكشف في المألوف شيئا لم نكن نراه، الأكاديمي يسأل: ما الذي يعنيه هذا؟ وكيف يمكن إثباته؟ بينما يسأل الشاعر بطريقة أخرى: ماذا يفعل هذا الشيء في الإنسان؟ وما الذي يوقظه فيه؟ ولهذا أحتاج إلى قدر من الفصل بينهما؛ فلا أريد للأكاديمي أن يلاحق القصيدة بالشرح حتى يفقدها ما فيها من احتمالات، ولا أريد للشاعر أن يستبدل البرهان في البحث بالحدس والانطباع، ومع ذلك لا أستطيع القول إنهما منفصلان تماما؛ فالمعرفة توسع أفق الشاعر، والحس الشعري يجعل الكاتب أكثر انتباها إلى الإنسان خلف الأرقام والمفاهيم، وربما أجمل ما في هذه العلاقة أن كليهما يذكر الآخر بحدوده: المعرفة تقول للشعر إن العالم أعقد من الانفعال وحده، والشعر يقول للمعرفة إن الإنسان أوسع من أن تختصره الوقائع والتفسيرات.

بين الشاعر و الإعلامي والأكاديمي …

س4. تحمل بعض عناوين دواوينك، مثل "لا تجرح الماء"، دلالات تتجاوز ظاهرها، كيف تولد عناوين قصائدك ودواوينك؟ وهل يكون العنوان بداية القصيدة أم آخر ما تكتبه؟

- أتعامل مع العنوان باعتباره جزءا من النص، لا مجرد اسم له، أحب العنوان الذي يفتح بابا ولا يغلق المعنى، ويترك للقارئ شيئا يكتشفه بنفسه، "لا تجرح الماء" مثلا يقوم على صورة غير ممكنة في الواقع، لكن الشعر قادر على أن يمنح الأشياء هشاشتها الخاصة، أحيانا يأتي العنوان قبل القصيدة ويصبح هو الشرارة الأولى، وأحيانا تنتهي القصيدة ويبقى العنوان غائبا، وأقل العناوين إغراء لي هو العنوان الذي يشرح النص؛ لأنني لا أحب أن أقول للقارئ مسبقا ماذا ينبغي أن يرى.

س5. هل تعتقد أن القصيدة تكتمل لحظة يكتبها الشاعر، أم أنها لا تكتمل إلا عندما يجدها قارئ يمنحها معنى جديدا؟

- الشاعر ينتهي من كتابة القصيدة، لكنه لا يستطيع أن ينهي قراءاتها، بعد النشر تبدأ للنص حياة أخرى، ويدخل إليه كل قارئ بما يحمله من تجربة وذاكرة وظرف شخصي، وقد يرى قارئ في قصيدة معنى لم أفكر فيه وأنا أكتبها، ولا أعد ذلك خطأ في القراءة، حدث أن سمعت تأويلات لبعض نصوصي جعلتني أعود إليها وأراها بصورة مختلفة، وهذه من الأشياء الجميلة في الشعر؛ أن النص يستطيع أن يعرف عن نفسه أحيانا أكثر مما عرفه كاتبه لحظة الكتابة.

س6. جمعت بين الشاعر والإعلامي والأكاديمي، عندما تجتمع هذه الشخصيات الثلاث داخلك، أيها يقود الآخر؟ وهل يتعلم الإعلام من الشعر بقدر ما يتعلم الشعر من الإعلام؟

- لا أشعر أن الشاعر والإعلامي والأكاديمي داخلي يتنافسون على القيادة، بقدر ما أراهم ثلاث طرائق مختلفة في النظر إلى العالم، الأكاديمي يعلمني أن أتوقف أمام الفكرة، وأن أختبرها وأتثبت من مقدماتها قبل أن أصل إلى نتائجها، والإعلامي يبقيني قريبا من الناس ومن حركة المجتمع وأسئلته وتحولاته، أما الشاعر فيأخذني إلى ما وراء الظاهر، إلى تلك المنطقة التي لا تكفي الوقائع وحدها لتفسيرها، وربما لهذا أفاد كل واحد منهم الآخر؛ فالإعلام أنقذ الشعر من العزلة عن الحياة، والأكاديمية منحتني قدرا من الانضباط والوعي بما أقول، والشعر حمى لغتي من الجفاف ومنحني حساسية أكبر تجاه الإنسان الكامن خلف الخبر والرقم والفكرة، وحتى الإعلام نفسه يستطيع أن يتعلم من الشعر الاقتصاد في اللغة، والانتباه إلى التفاصيل، والقدرة على رؤية ما وراء الحدث، مثلما يستطيع الشعر أن يتعلم من الإعلام الإصغاء إلى الواقع وعدم الاكتفاء بالدوران حول الذات، لكنني أحرص في النهاية على ألا تذوب الحدود تماما؛ فالقصيدة لا ينبغي أن تتحول إلى تعليق صحفي، والبحث لا يحتمل أن يحل المجاز محل البرهان، والإعلام لا يجوز أن تضحي فيه جماليات اللغة بدقة الحقيقة، أجمل ما في اجتماع هذه التجارب أنها لا تلغي بعضها، وإنما توسع زاوية الرؤية: الأكاديمي يسأل عن صحة الفكرة، والإعلامي عن علاقتها بالواقع، والشاعر عن أثرها في الإنسان.

س7. عايشت الصحافة والعمل الثقافي والأندية الأدبية، وأسهمت في المشهد الثقافي، كيف ترى اليوم العلاقة بين المؤسسات الثقافية وصناعة الشاعر؟ وهل تصنع المؤسسة شاعرا أم تكتفي باكتشافه؟

- لا تستطيع أن تصنع شاعرا، يمكنها أن تكتشف موهبة، وتوفر منبرا، وتنشر كتابا، وتفتح أبواب الحوار والاحتكاك بتجارب أخرى، وهذا كله مهم، لكنها لا تستطيع أن تمنح إنسانا صوتا شعريا لم يكن موجودا فيه، الشاعر يتكون في مكان أعمق من المؤسسة، ولهذا أرى أن دور المؤسسة الحقيقي هو أن تصنع بيئة ثقافية جيدة، لا أن تصنع المبدع نفسه، حين يصبح اهتمام المؤسسة بمنح الألقاب والاحتفاء بالأسماء أكبر من اهتمامها باكتشاف المواهب ودعمها وفتح الفرص أمامها، فإنها تبتعد عن دورها الثقافي الحقيقي.

س8. في زمن المحتوى السريع والمنصات الرقمية، هل ما زال الشعر قادرا على تشكيل الذائقة والوعي، أم أصبح يبحث عن قارئ استثنائي يؤمن بالكلمة؟

- تغيرت علاقتنا بالقراءة أكثر مما تغير الشعر نفسه، الإنسان اليوم محاصر بكم هائل من الصور والمقاطع والتنبيهات، وأصبح انتباهه موزعا على أشياء كثيرة في الوقت نفسه، ومع ذلك لا أرى أن الشعر فقد مكانه، ربما تغير عدد قرائه أو طريقة وصوله إليهم، لكن الأثر لا يقاس بعدد المشاهدات وحدها، قصيدة يقرأها شخص في الوقت الذي يحتاج إليها قد تبقى معه سنوات، بينما تمر أمامه مئات المواد في يوم واحد ولا يتذكر منها شيئا، التحدي الحقيقي أن يصل الشعر إلى الإنسان المعاصر من غير أن يفقد طبيعته لكي يرضي المنصة.

فلسفة الشعر في القصيدة …

س9. هل ترى أن الشعر يبحث عن الحقيقة، أم أن مهمته ليست الوصول إليها، بل إعادة طرحها من زوايا مختلفة؟

- الشعر لا يقدم الحقيقة بالطريقة التي يقدمها بها البحث أو الوثيقة، هناك جانب من حياتنا لا تكفي الوقائع وحدها لفهمه، نستطيع أن نعرف أن إنسانا فقد شخصا عزيزا عليه، وهذه واقعة، لكن القصيدة تستطيع أن تقربنا من معنى هذا الفقد في داخله، هنا تأتي حقيقة الشعر؛ ليست حقيقة البرهان، وإنما حقيقة التجربة الإنسانية، ولهذا لا أنتظر من القصيدة أن تمنحني إجابة نهائية، يكفيني أحيانا أن تجعلني أرى الشيء المألوف كما لو أنني أراه للمرة الأولى.

س10. هل يكتب الشاعر لأنه يمتلك الإجابات، أم لأنه أكثر الناس قدرة على العيش مع الأسئلة؟

- لو كانت لدي كل الإجابات لما احتجت إلى كتابة كثير من القصائد، الكتابة في جانب منها محاولة لفهم شيء لم يتضح بعد، ولا أحب صورة الشاعر الذي يقف أمام الناس باعتباره صاحب الحكمة والجواب الأخير، قد يكون الشاعر أكثر حيرة من قارئه، لكنه ربما يمتلك قدرة أكبر على إعطاء هذه الحيرة شكلا ولغة، الأسئلة مهمة لأنها تترك الباب مفتوحا وأحيانا تنتهي القصيدة ويبقى السؤال كما هو، لكنه يصبح أكثر وضوحا، وهذا في حد ذاته مكسب.

س11. هل تؤمن أن لكل شاعر سؤالا يرافقه طوال حياته مهما اختلفت القصائد؟ وما السؤال الذي ما زال يكتب أحمد الزهراني من أجله؟

- ربما لا يكون للشاعر سؤال واحد بصيغة ثابتة، لكن هناك أشياء تظل تعود إليه مهما تغيرت القصائد، في تجربتي تشغلني كثيرا علاقة الإنسان بالزمن، وما يبقى منه بعد أن تتغير الأماكن ويمضي الأشخاص وتتبدل الحياة، كيف نحمل ما فقدناه؟ وماذا يبقى فينا من الناس الذين مروا بنا؟ وكيف يمكن للحظة عابرة أن تعيش في الذاكرة أطول من سنوات كاملة؟ هذه الأسئلة لا أكتبها مباشرة في كل قصيدة، لكنها تظهر بأشكال مختلفة، وربما نستمر في الكتابة لأن بعض الأسئلة لا نريد لها جوابا نهائيا.

س12. لو عدت اليوم إلى أول قصيدة كتبتها، هل ستقرأها بعين الناقد، أم بعين الشاعر الذي ما زال يحتفظ ببراءة البدايات؟

- سأقرأها أولا بشيء من الحنين، ثم سيأتي الناقد من تلقاء نفسه، سأرى بالتأكيد صورا أو عبارات لا أكتبها اليوم، وربما أبتسم لبعض ما كنت أراه آنذاك شديد الجمال، لكنني لن أحاكم تلك القصيدة بمعايير تجربتي الحالية، كانت ابنة عمرها ووعيها وظروفها، ولو أعدت كتابتها الآن فربما تصبح أفضل من الناحية الفنية، لكنها لن تكون القصيدة نفسها، هناك صدق في البدايات لا تستطيع الخبرة أن تستعيده، ولذلك أفضل أن تبقى بعض النصوص القديمة كما هي، حتى بما فيها من نقص.

س13. بعد هذه الرحلة الطويلة بين الشعر والإعلام والثقافة، إذا طُلب منك أن تترك للقارئ فكرة واحدة لا قصيدة، فما الفكرة التي تتمنى أن تبقى في ذاكرته؟

- أن يدرك الإنسان قيمة ما يعيشه قبل أن يصبح جزءا من الماضي، فنحن نظن أحيانا أن الأشخاص والأماكن والتفاصيل الصغيرة ستبقى معنا دائما، ثم نكتشف بعد سنوات أنها كانت أثمن مما تصورنا، وربما علمتني الكتابة أن الأشياء لا تحتاج إلى أن تكون كبيرة حتى تكون مهمة؛ كلمة، وجه، طريق قديم، أو موقف عابر، قد يتحول مع الزمن إلى جزء من تكويننا وذاكرتنا، نحن لا نستطيع إيقاف الزمن، لكننا نستطيع أن نعيش بوعي أكبر بما يمر بنا، وأن نمنح ما نحب قيمته وهو ما يزال حاضرا، لا بعد أن يصبح بعيدا عن متناولنا ولا يبقى منه إلا أثره فينا،
  أما الفكرة الأخرى التي أتمنى أن تصل إلى الأجيال القادمة، فهي ألا يعيشوا حياتهم وفق ما يُملى عليهم، وألا يسمحوا لسرعة العصر وضجيجه أن تسلبهم حقهم في السؤال والتفكير والاختيار، أن يعرفوا من أين جاءوا، من غير أن يجعلوا الماضي قيدا عليهم، وأن ينفتحوا على العالم من غير أن يفقدوا أنفسهم فيه، فالمستقبل لا يصنعه جيل يكرر ما ورثه، ولا جيل يقطع صلته بجذوره، وإنما يصنعه جيل يعرف ما يستحق أن يحمله معه، وما ينبغي أن يراجعه، وما يملك الشجاعة لتجاوزه.