حوار _ حسين السنونة
المخرج المسرحي الجزائري الدكتور الأخضر منصوري يرى في حديثه لصحيفة "النهار" أن المسرح السعودي اليوم يعيش لحظة تأسيسية فريدة. هو مسرح يتحول بسرعة من فضاء محدود إلى قطاع منظم ومدعوم بقوة، يسعى لبناء هويته الخاصة مع الانفتاح على التجارب العالمية رغم التحديات القائمة، لكن الإرادة السياسية والدعم المؤسسي والاستثمارات الضخمة ترسم ملامح مستقبل واعد، حيث يطمح المسرح السعودي لأن يكون ليس فقط راصداً للتحولات، بل فاعلاً
مؤثراً في تشكيل المشهد الثقافي محلياً وعالمياً. ولعل جل الأصدقاء المسرحيين الذين التقيتهم خلال مهرجانات عربية يحملون عمق المعرفة الراقية وهَمَّ تطوير المسرح السعودي الذي يخطو بكل صدق نحو تأسيس هوية ثقافية تصبو إلى تقديم صورة جميلة من خلال حضورها الفاعل في المحافل المسرحية العالمية عامة، والعربية على وجه الخصوص، وكذا الاهتمام بالتكوين المسرحي واستضافة التجارب العالمية الكبرى من خلال مهرجان الرياض المسرحي والمسابقات المسرحية والجوائز التي رصدتها المملكة للمبدعين الشباب؛ في رأيي المسرح السعودي يخطو بصدق نحو أفق أرحب معرفياً واحترافياً.
ما الذي أضافته مشاركتكم في مهرجان الهيئة العربية للمسرح إلى تجربتكم الفنية، سواء على مستوى العرض أو الحوار أو الإخراج مع تجارب مسرحية عربية مختلفة؟
ساهمت مشاركتي في مهرجان الهيئة العربية للمسرح بالاحتكاك بالمسرحيين العرب ومعرفتهم إنسانيا وفنيا عن قرب وكذا مواكبة الحركة المسرحية من خلال عدة دورات المهرجان التي شاركت فيها أسهمت في تكويني المعرفي و التطبيقي، كما حضور أي مهرجان مسرحي هو إضافة إيجابية في تكوين الشخصية الفنية.
كان لكم مشاركات في الإخراج المسرحي في مهرجانات الهيئة العربية للمسرح، كيف كانت المشاركة وكيف كان تعاون الهيئة العربية للمسرح معكم؟
لعل الجانب المهم في مشاركتي في مؤتمرات الهيئة العربية للمسرح بالخصوص من خلال محاورها الجيدة التي تؤكد أن الهيئة العربية للمسرح تعمل بجد في صناعة فكرة المهرجان في تجديد الرؤية ومحاولة تحيين الأفكار والمعارف العامة للمسرح وبخاصة من خلال منشوراتها المهمة التي تؤكد دوما على المقاربات النقدية الهامة والدراسات المسرحية المسائلة لواقع التجربة المسرحية العربية ضف إلى ذلك جل الابداعات المسرحية من نصوص مسرحية و توثيق التجارب المسرحية العربية من خلال خزانة المسرح العربي في كل بلد وكان شرف للجزائر نشر كتاب مهم يوثق التجربة المسرحية الجزائرية بالتعاون مع الهيئة يعد أحد أهم المراجع المسرحية في تاريخها الثقافي.
.
يشهد المسرح العربي اليوم تحولات جمالية وتقنية متسارعة؛ برأيكم، كيف يمكن المحافظة على هوية المسرح العربي مع الانفتاح على التجارب العالمية؟
يعيش المسرح العربي اليوم مفترق طرق حقيقياً، فهو يواجه تحولات جمالية وتقنية متسارعة من جهة، وضغوطات العولمة التي تخلق أحياناً شعوراً بضياع الهوية من جهة أخرى لكن هذا التحدي ليس دعوة للانغلاق، بل هو فرصة لإعادة تعريف الهوية المسرحية العربية بلغة معاصرة ويمكن اعتماد استراتيجيات متوازنة تعيد صياغة الموروث الثقافي القابل للمسرحة ضمن رؤية فنية معاصرة.
أما المعضلة الأساسية التي تواجه المسرح العربي ليست جديدة، فهي تمتد لجذور نشأته. فمنذ أكثر قرن ونصف، وهو يبحث عن هوية خاصة به في ظل شعور بأنه "فن وافد" على المنطقة
واليوم، تتعمق هذه المعضلة مع العولمة التي قد تدفع نحو الانسياق وراء الاتجاهات وأساليب غربية دون وعي نقدي يسائل راهن الجمهور العربي الذواق، فهو أساس المسرح وعموده الفقري، هذه الدعوة ليست نفيا للتراث العالمي الذي قدم تضحيات جسيمة للمسرح جعله يبقى حيا مند الإغريق، لكن على المسرح العربي في ظل العولمة والتطور التكنولوجي التمسك ببصمته العربية مع مسايرة كل التطورات الحاصلة في الأداء المسرحي وجل التقنيات الحديثة المتسارعة التي يعرفها الفن عامة، لذلك وجب تحيين العقول المسرحية العربية واندماجها في العصر من خلال التربصات والورش التدريبية لمسايرة هذا التطور وخروج من هذا المأزق لأن في مضمون هذه العولمة الأنية التي تسعى بكل الوسائل إلى فرض نمط ثقافي واحد وطمس الخصوصيات لذلك وجب الانفتاح عليها ومسايرتها علميا لأجل صناعة حور ثقافي مثمر، وليس استسلاماً للهيمنة.
كما أرى أنه من الضروري إعطاء الأولوية للمضمون الفكري للنصوص المسرحية ورؤى الإخراجية في اعتقادي، على المسرح العربي أن يجد في العولمة وسيلة لتقديم مضمون فكري وفني راقٍ للجمهور العربي، وفي مواكبة التكنولوجيا بتفكير نقدي دون أن تصبح غاية في حد ذاتها. التكنولوجيا يجب أن تكون في خدمة الفكرة، وليس العكس.
ما أبرز التحديات التي تواجه المسرحي العربي اليوم: الإنتاج، أم الجمهور، أم حرية التجريب، أم غياب البنية المؤسسية الداعمة؟ وكيف يمكن تجاوزها؟
لعل أبرزها هو البنية المؤسسية فغياب سياسات ثقافية مستدامة، وضعف التمويل، وقلة المسارح المجهزة، ولد أزمة إنتاج وجعل الجمهور المسرحي يتخلى بالتدريج عن المسرح وولوج فضاءات ثقافية أخرى ولعل أهم أسلوب أني و مستعجل يكمن في إعادة النظر في التسويق والمنافسة الرقمية لجلب الجمهور بخاصة الشباب كما أن لحرية التجريب والتفكير والخوف من المغامرة الفنية إضافة إلى غياب النقد المسرحي الموضوعي هم أسباب مباشرة في كبر الهوة بين المسرح وجمهوره لذلك وجب اصلاح مؤسساتي في إنشاء صناديق حكومية لدعم الفنانين ورعاية الإنتاج من خلال إنشاء شبكة عربية للتوزيع المسرحي وربطها بخطط عقلانية للتسويق المنتوج المسرحي العربي و إعادة بناء الجمهور من خلال الاستثمار في المنظومة التربوية وإدراج المسرح في برامج التعليم في كل المستويات التربوية، اضافة إلى تكثيف الورشات التدريبية للشباب بخاصة في المناطق البعيدة عن المدن الكبرى وإنشاء مختبرات البحث المسرحي و تشجيع المقروئية و احتضان الدولة للفرق المسرحية الحرة وتشجيعها على التجريب في تيمات مختلفة تستفيد من التراث المحلي والعالمي، في الأخير أرى انه : لا حل دون إرادة سياسية ودعم مالي، يليها جهد تسويقي لاستعادة الثقة بين الخشبة والمشاهد
بعد هذه المشاركة، ما المشروع أو الحلم المسرحي الذي تسعون إلى تحقيقه، وما الذي تتمنون أن يقدمه مهرجان الهيئة العربية للمسرح مستقبلاً لدعم الفنانين العرب؟ في ظل التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية التي يعيشها العالم العربي، هل ما زال المسرح قادرًا على التأثير في الوعي العام، أم أصبح دوره يقتصر على النخب الثقافية؟ ولماذا؟
في رأي الخاص لابد من التفكير في المسرح والثقافة عامة على أنها القوة الناعمة لأي بلد عربي أما عن حلمي المسرحي هو إنشاء مهرجان عربي تكون له تيمة لكل دورة يتنافس فيها الكتاب والمخرجين وهذه التيمة نفسها تكون محور المؤتمر الفكري الذي ينظم بالموازاة مع المهرجان. أما الحلم الأهم هو إنشاء فرقة عربية متكونة من مجموع فاعلين مسرحيين يأتون من جميع أنحاء العربية وحتى العرب المهاجرين.
حدثنا عن المسرح الجزائري أين كان وأين هو الآن؟ وماذا يحتاج ليكون حاضر بقوة في المحافل الدولية؟
المسرح الجزائري يعيش كسائر المسارح العربية ولم يكن المسرح الجزائري مجرد فن، بل كان أداةً للنضال والوعي. تعود جذوره إلى النصف الأول من القرن التاسع عشر مع أشكال شعبية مثل مسرح الظل والعرائس و"مسرح الحلقة" الذي كان ينشطه "المداح" في الأسواق واليوم، يشهد المسرح الجزائري تحولاً جذرياً، حيث انتقل من كونه منبراً للخطاب المباشر في مرحلة معينة إلى فضاء للتجريب و الازدهار مع ثلة من الكتاب والمخرجين الشباب رغم أن الساحة المسرحية الجزائرية فقدت الكثير من الأسماء الرائدة في مجال المسرح مثل مصطفى كاتب وكاتب ياسين وعبد القادرعلولة وولد عبد الرحمن كاكي ومجوبي وغيرهم، إلا أن المسرح الجزائري اليوم يعيش مخاض فكري ويمتلك الأدوات والإبداع ليخطو خطوات واسعة على الخريطة العالمية، في إنتاج أعمال مسرحية قريبة من الانسان الجزائري.
هل هناك عوامل تقف عائق امام التطور المسرحي في الجزائر؟
نعم ككل المسارح العربية نقص في التمويل ونقص في الفضاءات المسرحية الإحترافية التي تسهم في العملية الإبداعية ضف إلى ذلك مسألة توظيف الإطارات المتخرجة من المعاهد المسرحية والطلاب الجامعيين، على الرغم من جهود الدولة الجزائرية في دعم المنتج الفني والثقافي تبقى الحاجة إلى التفاف الفنانين حول مشاريع مسرحية تقربهم من الجمهور المسرحي الجزائري وتعيد الثقة بالفن المسرحي.
ما مدى تطور المسرح والمشهد الثقافي السعودي ومواكبته للتطورات العالمية ؟
المسرح السعودي اليوم يعيش لحظة تأسيسية فريدة. هو مسرح يتحول بسرعة من فضاء محدود إلى قطاع منظم ومدعوم بقوة، يسعى لبناء هويته الخاصة مع الانفتاح على التجارب العالمية رغم التحديات قائمة، لكن الإرادة السياسية والدعم المؤسسي والاستثمارات الضخمة ترسم ملامح مستقبل واعد، حيث يطمح المسرح السعودي لأن يكون ليس فقط راصداً للتحولات، بل فاعلاً مؤثراً في تشكيل المشهد الثقافي محلياً وعالمياً. ولعل جل الأصدقاء المسرحيين الذين التقيتم خلال مهرجانات عربية يحملون عمق المعرفة الراقية وهَم تطوير المسرح السعودي الذي يخطوا بكل صدق نحو تأسيس هوية ثقافية تصبوا إلى تقديم صورة جميلة من خلال حضورها الفاعل في المحافل المسرحية العالمية عامة والعربية على وجه الخصوص، وكذا الاهتمام بالتكوين المسرحي واستضافة التجارب العالمية الكبرى من خلال مهرجان الرياض المسرحي والمسابقات المسرحية والجوائز التي رصدتها المملكة للمبدعين الشباب في رأي المسرح السعودي يخطوا بصدق نحو افق أرحب معرفيا واحترافيا.