حوار - حسين السنونة
يرى الروائي والقاص المصري محمد سرور في حديثه مع صحيفة "النهار أن قوة الأدب السعودي اليوم تعود إلى عدة عوامل؛ أولها الحراك الثقافي الكبير الذي تشهده المملكة، وما وفره من مؤسسات ومبادرات لدعم الأدب والكتّاب.
وقد لمست ذلك بنفسي خلال مشاركتي في معتزلات الكتابة التي نظمتها هيئة الأدب والنشر والترجمة، حيث وجدت اهتمامًا حقيقيًا بالكاتب وبالنص، وبيئة تشجع على الإبداع والحوار النقدي. كما أن الجوائز، ومعارض الكتب، وبرامج الترجمة، كلها أسهمت في خلق مناخ صحي لنمو التجربة السردية.
وأرى أيضًا أن المجتمع السعودي يمر بتحولات ثقافية واجتماعية كبيرة، وهذه التحولات تفتح أمام الكاتب أسئلة جديدة، والأدب في جوهره هو فن طرح الأسئلة. لذلك أصبحت الرواية السعودية أكثر جرأة في تناول الإنسان.
القاص محمد سرور عرف القارىء على بدايتك مع عالم الأدب والكتابة؟
- البداية كانت في 2015 مع رواية لعبة السادة، كنت ما زلت أتحسس طريقي نحو الكتابة، مدفوعا بقوة الشغف وجنون الكتابة، ولكن خرجت منها بتجربة غير مرضية، عن كتابتي أقصد، فتوقفت لأعيد حساباتي، ما الشكل الذي أن اسلكه فعلًا، توقفت ثلاثة سنوات، وقعت خلالها في غرام كتابة القصة القصيرة، فكتبت مجموعتي القصصية الأولى "قط يعري العالم" وفازت وقتها بجائزة أخبار الأدب، فشعرت أنني على الطريق الصحيح، ومنحتني تلك الجائزة حافزًا كبيرًا للاستمرار.
المملكة تشهد تطور ثقافي على كل الأصعدة كيف ترى الروائية آن ذلك؟
أرى أن المملكة تعيش اليوم مرحلة استثنائية على المستوى الثقافي، وهذا انعكس بوضوح على المشهد الروائي. فالرواية تزدهر عندما تجد بيئة تؤمن بالثقافة وتستثمر فيها، وهذا ما نراه اليوم من خلال المبادرات الثقافية، والجوائز، ومعارض الكتب، وبرامج دعم الكتّاب والترجمة، وحضور المؤسسات الثقافية الفاعل.
والأجمل في رأيي أن هذا التطور انعكس على جودة التجارب أيضًا. هناك كتاب سعوديون يقدمون اليوم أعمالًا تمتلك خصوصيتها الفنية، وتناقش قضايا إنسانية عميقة، مع حفاظها على هويتها المحلية. وهذا ما يجعل الرواية السعودية أكثر حضورًا على الساحة العربية، وأكثر قدرة على الوصول إلى القارئ خارج حدود المملكة. ومن خلال مشاركتي في معتزلات الكتابة التي نظمتها هيئة الأدب والنشر والترجمة، لمست عن قرب هذا الاهتمام الحقيقي بالكاتب وبالنص، ورأيت كيف أصبح الاستثمار في الثقافة جزءًا من مشروع تنموي أوسع، وأعتقد أن المرحلة المقبلة ستكون أكثر إشراقًا، لأن ما يُبنى اليوم بنية ثقافية متكاملة ستثمر أجيالًا جديدة من المبدعين. وإذا استمر هذا الزخم، فأنا على يقين بأن الرواية السعودية ستعزز مكانتها عربيًا، وستكون أكثر حضورًا في المشهد العالمي من خلال الترجمة والحوار مع الثقافات الأخرى.
لك تجربة في برنامج المعتزلات في المملكة حديثينا عن رايك؟
في الحقيقة، كانت تجربة معتزلات الكتابة من أكثر التجارب إلهامًا في مسيرتي الأدبية. فقد منحتني المملكة فرصة للابتعاد عن صخب الحياة اليومية وسرعة إيقاعها، لأجد نفسي في بيئة هادئة ومهيأة بالكامل للكتابة والتأمل والإبداع. هذا الهدوء، إلى جانب اللقاء بزملاء كتّاب من خلفيات وتجارب متنوعة، خلق مساحة حقيقية للحوار وتبادل الخبرات، وهو ما أراه أحد أهم مكاسب التجربة. وكنت محظوظًا بأن أشارك في معتزل القصيم تحت إشراف الدكتور عبدالله العقيبي، وهو ناقد يمتلك رؤية عميقة وخبرة كبيرة. كانت الجلسات نقاشات نقدية ثرية، كتبنا خلالها نصوصًا، ثم خضنا حوارات جادة حولها، وهو ما أضاف إلى تجربتي الكثير على المستويين الفني والفكري. كما أن الجولات الثقافية التي نظمتها هيئة الأدب والنشر والترجمة كانت جزءًا أصيلًا من التجربة. وقد كانت هوية ذلك العام تتمحور حول الإبل، فكانت فرصة نادرة للتعرف عن قرب على هذا المخلوق الذي يحتل مكانة خاصة في الثقافة العربية. عشنا التجربة، وتأملنا طباع الإبل وعلاقتها بالبيئة والإنسان، ثم انعكس ذلك في نصوص كتبناها بعد تلك الجولات، فكان الأدب امتدادًا للمعايشة. أستطيع أن أقول إن معتزلات الكتابة تجربة إنسانية وثقافية متكاملة، خرجت منها بصداقات جديدة، ورؤية أوسع للكتابة، وإيمان أكبر بأهمية توفير مثل هذه المساحات التي تمنح الكاتب الوقت والسكينة لينصت إلى صوته الداخلي. وأتمنى بكل صدق أن تتكرر هذه التجربة، لأنها تمثل نموذجًا حقيقيًا للاستثمار في المبدع وفي الثقافة.
كيف ترى الواقع الثقافي العربي ومستقبل الكتابة للأجيال الجديدة في ظل ثورة المعلومات التي تشهدها المنطقة والعالم؟
- أرى أن الواقع الثقافي العربي يعيش مرحلة انتقالية شديدة التعقيد. فمن جهة، فتحت ثورة المعلومات أبوابًا واسعة أمام الكاتب والقارئ؛ أصبح الوصول إلى الكتب والمعرفة والترجمة أسهل من أي وقت مضى، وأصبح الكاتب قادرًا على الوصول إلى قارئ في أقصى العالم بضغطة زر. لكن في المقابل، فرضت هذه السرعة تحديًا كبيرًا، وهو أن المحتوى أصبح كثيرًا، بينما أصبح الانتباه قليلًا، وأصبح على الكاتب أن ينافس آلاف الأصوات كل يوم.
أنا مؤمن بأن مستقبل الكتابة سيكون للأصدق والأعمق. التقنيات تتغير، والمنصات تتغير، وربما تتغير حتى أدوات الكتابة نفسها، لكن الإنسان سيظل يبحث عن الحكاية التي تمسه، وعن النص الذي يجعله يرى نفسه والعالم بطريقة مختلفة.
أما الأجيال الجديدة، فأنا متفائل بها. أعرف أنها تقرأ بطريقة مختلفة، وتبحث عن أشكال جديدة للتعبير. دورنا نحن الكتّاب أن نحترم هذا التغير، وأن نقدم أدبًا يجمع بين الجودة والقدرة على مخاطبة الإنسان. وهناك كتاب استطاعوا أن يستفيدوا من ذلك التغير المعلوماتي وأن يصلوا لشريحة أكبر، كاتب مثل أسامة المسلم، بغض النظر عن رأيي في نوعية كتابته، لكنه نجح في جذب شريحة كبيرة من القراء عبر المنصات.
كيف نستطيع ان نجعل من الابداع طريقنا للتغير لعالم افضل؟
أؤمن أن الإبداع يغير العالم بتغيير الإنسان. فكل عمل أدبي حقيقي يوسّع مساحة التعاطف داخل القارئ، ويجعله يرى الآخر بعين أكثر فهمًا ورحمة، وهذا في رأيي هو بداية أي تغيير حقيقي.
الكاتب أو الفنان يستطيع أن يغيّر الطريقة التي نفكر بها في الواقع. رواية جيدة قد تجعلنا نعيد النظر في أحكامنا، وقصة قصيرة قد تكون كضربة الفأس على الرأس. ومسرحية قد تفتح نقاشًا حول قضية كنا نتجنبها. وهكذا يتم التغيير.
ولذلك أرى أن مسؤولية المبدع هي أن يطرح الأسئلة الصحيحة، وأن يحافظ على إنسانية الإنسان في زمن تزداد فيه السرعة والضجيج. فالإبداع الحقيقي يوقظ الوعي، ويمنح الناس القدرة على الحلم والتفكير والنظر إلى المستقبل بثقة.
هل تتفق مع من يقول ان هناك قلة اهتمام الاجيال بالكتاب العربي ماهي الأسباب في رايك؟
لا أتفق مع هذا الرأي على إطلاقه. فهناك تغيّر في عادات القراءة نفسها. الشباب اليوم يقرأون كثيرًا، لكنهم يقرأون عبر وسائل مختلفة، ويتعاملون مع النصوص بإيقاع أسرع مما اعتدنا عليه.
إذا كان هناك تراجع في الاهتمام ببعض الكتب العربية، فأسبابه متعددة. أحيانًا يكون السبب أننا لا نقدم للقارئ ما يلامس أسئلته وهمومه، أو أننا ما زلنا نخاطبه بالأساليب نفسها التي كانت مناسبة قبل عقود. كما أن المنافسة اليوم أصبحت عالمية؛ فالقارئ يستطيع الوصول إلى آلاف الكتب المترجمة والمحتويات الرقمية بضغطة زر، ولذلك فالكتاب العربي ينافس الكتاب العربي ينافس العالم كله.
وفي المقابل، لدينا أعمال عربية حققت انتشارًا واسعًا عندما امتلكت الجودة والصدق والقدرة على مخاطبة الإنسان، وهذا يؤكد أن القارئ يبحث عن الأدب الجيد، مهما كانت لغته أو جنسية كاتبه.
لذلك أرى أن التحدي الحقيقي أن نسأل: كيف نكتب أعمالًا تجعلهم يشعرون بأن القراءة تجربة لا يمكن الاستغناء عنها؟ عندما نقدم نصًا حيًا، صادقًا، ومكتوبًا بإتقان، فإن القارئ سيأتي إليه دائمًا.
ماهو سبب ان الكثير من الكتاب كتابتهم جميلة ولكن واقعهم سيء؟ وهل علينا الفصل بين الاثنين؟
أعتقد أن هذه من أكثر الأسئلة تعقيدًا، لأن الكاتب في النهاية إنسان، وليس نسخة مطابقة لما يكتبه. الكتابة تعبّر عن رؤيتنا للعالم، وعن قيم نطمح إليها، لكنها لا تعني بالضرورة أننا نجحنا في تجسيدها كاملة في حياتنا اليومية. قد يكتب الإنسان عن الشجاعة وهو يخاف، وعن التسامح وهو يصارع غضبه، وعن الأمل وهو يمر بظروف قاسية. وهذا يكشف جانبًا من طبيعة الإنسان الذي يكتب أحيانًا عما يتمنى أن يكونه، أو عما يؤمن بأنه الطريق الصحيح. لذلك أرى أنه يجب أن نفرّق بين تقييم العمل الأدبي وتقييم صاحبه. فالنص يُحاكم بمعاييره الفنية والفكرية، بينما الإنسان يُحاكم بأفعاله وسلوكه. لكن في الوقت نفسه، لا يمكن للكاتب أن يتنصل تمامًا من مسؤوليته الأخلاقية، لأن الكلمة لها أثر، والناس تمنح المبدع قدرًا من الثقة. لهذا أرى أن الأفضل هو ألا نقدّس الكاتب ولا نلغيه. نقرأ أعماله بعين نقدية، ونحترم الإبداع حين يستحق الاحترام، وندرك أن المبدع، مهما بلغت موهبته، يظل إنسانًا يحمل نقاط قوة وضعفًا مثل أي شخص آخر.
القاص محمد سرور واضح انك تمتاز بقوة السرد وجمال التصوير للمكان والشخصيات في روايتها؟
اين موقع الرواية المصرية على الخارطة العربية.
أشكر هذا التقدير، وأعتقد أن المكان والشخصيات هما قلب أي عمل روائي. أنا أتعامل مع المكان باعتباره شخصية حية لها روحها وذاكرتها وتأثيرها في أبطال العمل. وكذلك الشخصيات، أحاول دائمًا أن أمنحها تعقيدها الإنساني، فلا تكون خيرًا مطلقًا ولا شرًا مطلقًا، لأن الإنسان بطبيعته أكثر ثراءً من الأحكام السريعة.
أما عن موقع الرواية المصرية، فأرى أنها ما زالت تحتل مكانة محورية في المشهد العربي، لأنها لا تزال قادرة على التجدد وإنتاج أصوات مختلفة في كل جيل. خصوصية الرواية المصرية تكمن في قدرتها على التقاط تفاصيل الحياة اليومية وتحويلها إلى أدب يحمل بعدًا إنسانيًا يتجاوز الحدود الجغرافية.
لكنني في الوقت نفسه أرى أن المشهد الروائي العربي اليوم أصبح أكثر ثراءً وتنوعًا من أي وقت مضى. هناك تجارب لافتة في السعودية، والمغرب، والجزائر، والعراق، وسلطنة عُمان، ودول عربية أخرى، وهذا التنوع يصب في مصلحة الأدب العربي كله. كما أؤمن أن الرواية الجيدة لا يهم جنسية كاتبها، الأدب الحقيقي يعبر الحدود، ويبقى لأنه يكتب عن الإنسان قبل أي شيء آخر.
القاص محمد سرور متنوع في كتابة القصة القصيرة وأدب الطفل والمسرح اين تجد نفسك وايهم له تأثير عليك؟
أجد نفسي في الكتابة نفسها، كل شكل من هذه الأشكال يمنحني مساحة مختلفة للتعبير، ولذلك أتعامل معها باعتبارها أدوات متعددة لمشروع إبداعي واحد.
القصة القصيرة هي الأقرب إلى قلبي؛ لأنها كانت نقطة التحول الحقيقية في مسيرتي الأدبية، ومن خلالها تعلمت الاقتصاد في اللغة، وأهمية الإيحاء، وأن أقول الكثير بأقل عدد ممكن من الكلمات. أما المسرح، فقد منحني حسّ الحوار والحركة، وجعلني أرى المشهد بعين المخرج، فأصبحت الشخصيات تتحرك أمامي قبل أن أكتبها. وأدب الطفل علّمني أصعب درس في الكتابة، وهو أن مخاطبة عقل الطفل وخياله تحتاج إلى صدق ودقة أكثر مما تحتاج إلى الزخرفة اللغوية.
وأعتقد أن الكاتب ينبغي أن يكتشف في كل تجربة جانبًا جديدًا من قدرته على الحكي. لذلك أستمتع بالانتقال بين هذه الفنون، لأن كل واحد منها ينعكس على الآخر؛ فالقصة تمنح المسرح كثافته، والمسرح يمنح الرواية حيويتها، وأدب الطفل يذكرني دائمًا بأن الدهشة هي جوهر كل أدب حقيقي.
إذا سُئلت: أين تجد نفسك؟ فسأقول: أجد نفسي في النص الذي أشعر بعد الانتهاء منه أنه أضاف شيئًا إلى القارئ، مهما كان جنسه الأدبي.
ماذا تقول عن القصة والرواية السعودية؟ وماهي عوامل قوتها في رايك؟
أرى أن القصة والرواية السعودية تعيشان اليوم مرحلة نضج حقيقية، وأصبحتا جزءًا أساسيًا من المشهد الروائي العربي. ما يلفتني هو التنوع الكبير في الأصوات والموضوعات، فصار هناك أجيال مختلفة، لكل منها رؤيته ولغته وأسئلته الخاصة.
وعندما نتأمل المشهد، نجد أسماء أسست لهذا الحضور مثل عبد الرحمن منيف الذي قدّم مشروعًا روائيًا عربيًا كبيرًا تجاوز حدود المكان، وعبده خال الذي استطاع أن يحقق حضورًا عربيًا واسعًا، وتُوِّجت تجربته بالفوز بالجائزة العالمية للرواية العربية. وفي الأجيال اللاحقة نجد أسماء مثل رجاء عالم التي تمتلك عالمًا روائيًا شديد الخصوصية، وأميمة الخميس التي قدمت أعمالًا تجمع بين العمق التاريخي والبعد الإنساني، ويوسف المحيميد الذي يكتب بحس إنساني ولغة رفيعة، إلى جانب أصوات كثيرة تثري المشهد عامًا بعد عام.
ولو هنتكلم عن القصة القصيرة، فأنا واقع في غرام قصص ضيف فهد وعدي جاسر. تجاربهم مميزة وممتعة.
وأعتقد أن قوة الأدب السعودي اليوم تعود إلى عدة عوامل؛ أولها الحراك الثقافي الكبير الذي تشهده المملكة، وما وفره من مؤسسات ومبادرات لدعم الأدب والكتّاب. وقد لمست ذلك بنفسي خلال مشاركتي في معتزلات الكتابة التي نظمتها هيئة الأدب والنشر والترجمة، حيث وجدت اهتمامًا حقيقيًا بالكاتب وبالنص، وبيئة تشجع على الإبداع والحوار النقدي. كما أن الجوائز، والأندية الأدبية، ومعارض الكتب، وبرامج الترجمة، كلها أسهمت في خلق مناخ صحي لنمو التجربة السردية.
وأرى أيضًا أن المجتمع السعودي يمر بتحولات ثقافية واجتماعية كبيرة، وهذه التحولات تفتح أمام الكاتب أسئلة جديدة، والأدب في جوهره هو فن طرح الأسئلة. لذلك أصبحت الرواية السعودية أكثر جرأة في تناول الإنسان، وأكثر قدرة على المزج بين المحلي والإنساني، وهذا ما يمنحها فرصة حقيقية للوصول إلى القارئ العربي والعالمي.
قلت في احدى اللقاءات ان الكتابة حرب صغيرة أخوضها بمحبة ماذا تقصد بذلك؟
عندما قلت إن "الكتابة حرب صغيرة أخوضها بمحبة" قصدت أنها مواجهة يومية مع نفسي أولًا، ومع اللغة، ومع الأسئلة التي تؤرقني. لكنها حرب تُخاض بالمحبة، لأن غايتها فهم الإنسان والعالم. أنا أكتب لأفتح نافذة للحوار، ولأقترب أكثر من الآخر، حتى عندما أختلف معه. وفي كل عمل جديد أشعر أنني أبدأ من الصفر، وكأنني أتعلم الكتابة من جديد. وهذا الصراع مع الوصول إلى الجملة الأكثر صدقًا، والشخصية الأكثر حياة، والمشهد الأكثر تأثيرًا، هو ما أسميه تلك الحرب الصغيرة. وربما لهذا السبب أحب الكتابة رغم مشقتها، لأنها تجعلني في حالة بحث دائم، عن الأسئلة التي تستحق أن تُطرح. وأعتقد أن الكاتب إذا توقف عن خوض هذه المعركة الداخلية، وتحولت الكتابة عنده إلى مجرد عادة أو حرفة، فقدت روحها. لذلك أحاول في كل نص أن أكتب بمحبة للإنسان، وباحترام للقارئ، وبإيمان أن الكلمة الصادقة، مهما بدت صغيرة، قادرة على أن تترك أثرًا يبقى طويلًا.
حدثننا عن تجربتك في كتابة المجموعة القصصية "ثلاثة فخاخ لذئب أعور" وماهي الرسالة التي كنت تصل إليها؟
كانت ثلاثة فخاخ لذئب أعور بلنسبة لي محطة مهمة في رحلتي مع القصة القصيرة. كنت مشغولًا باستكشاف الإنسان في لحظات ضعفه، وفي صراعه مع الخوف، والسلطة، والوحدة، والرغبة في النجاة. كنت مؤمنًا بأن القصة القصيرة قادرة، في صفحات قليلة، على أن تفتح أسئلة تظل ترافق القارئ طويلًا.
على المستوى الفني، حاولت أن أراهن على التكثيف والإيحاء، وأن أترك مساحة للقارئ ليشارك في بناء المعنى. أنا لا أحب النصوص التي تشرح نفسها بالكامل، لأنني أؤمن أن الأدب الحقيقي يمنح القارئ متعة الاكتشاف، ويثق في ذكائه وخبرته.
أما الرسالة، إن جاز أن نسميها رسالة، فهي أن الإنسان أكثر تعقيدًا مما يبدو، كنت أطمح إلى أن يخرج القارئ من كل قصة وهو يحمل سؤالًا جديدًا، أو يرى العالم من زاوية لم يكن قد انتبه إليها من قبل. بالنسبة لي، إذا استطاع النص أن يغيّر طريقة نظر القارئ إلى نفسه أو إلى الآخرين، ولو بدرجة بسيطة، فقد حقق غايته.
طريقك الأدبي فيها حصد من الجوائز، هل مهم للقاص والأديب الفوز بجوائز؟
الجوائز مهمة بالطبع، لكنها ليست الغاية التي ينبغي أن يكتب من أجلها الأديب. قيمتها الحقيقية أنها تمنح الكاتب دفعة من الثقة، وتفتح أمامه أبوابًا جديدة للوصول إلى القراء، لكنها لا تصنع كاتبًا، ولا تضمن بقاء عمله في ذاكرة الأدب.
أتحدث عن ذلك من تجربة شخصية. عندما فازت مجموعتي القصصية الأولى قط يعري العالم بجائزة أخبار الأدب، شعرت أن المسؤولية أصبحت أكبر. كانت الجائزة بالنسبة لي رسالة تقول: أنت تسير في الطريق الصحيح، لكن عليك أن تعمل أكثرا. ومنذ ذلك الوقت أحاول أن أتعامل مع كل عمل جديد وكأنني لم أفز بأي جائزة من قبل.
وأرى أن التاريخ الأدبي يعلمنا أن هناك كتّابًا عظماء لم يحصلوا على جوائز في حياتهم، ومع ذلك بقيت أعمالهم، كما أن هناك أعمالًا حصدت جوائز كثيرة ثم غابت عن ذاكرة القراء. لذلك يبقى القارئ هو الجائزة الأصعب، والزمن هو لجنة التحكيم الأكثر عدلًا. ولهذا أنصح أي كاتب أن يجعل هدفه كتابة نص صادق ومتقن. فإذا جاءت الجوائز فهي مصدر تقدير وتشجيع، وإن لم تأتِ، فلا ينبغي أن تكون سببًا في التوقف.