الكاتب : النهار
التاريخ: ١٨ يوليو-٢٠٢٦       2585

حوار _ حسين السنونة

يؤكد الكاتب والناقد المسرحي  إبراهيم الحسيني  لصحيفة "النهار" السعودية: يؤكد الكاتب والناقد المسرحي  إبراهيم الحسيني  لصحيفة "النهار" السعودية: أن الهيئة العربية للمسرح تمثل حالة ثقافية حاضنة للمشهد المسرحي العربي بشكل عام، وتسعى عبر جهودها في عدة مسارات متوازية؛ منها ما يخص توثيق حركة المسرح العربي، ومنها تنشيط حركة ترجمة تنقل ما يحدث في العالم، ومنها رصد أهم الظواهر الفنية وجديد المشهد المسرحي العربي، وهي أدوار مهمة من أجل إثراء المسرح العربي.

في ظل التحولات الاجتماعية والسياسية والرقمية التي يعيشها العالم العربي، ما القضية المسرحية التي ترون أن النقد العربي لم يمنحها ما تستحقه من اهتمام، ولماذا؟

توجد العديد من القضايا المسرحية التي تخص المسرح العربي يمكن مناقشتها هنا من مثل قضايا الحريات والإنشغال بالهموم الحياتية المباشرة وهو ما من شأنه تحويل المسرح لرد فعل سياسي على ما يحدث بدلا من البحث عن هوية الشخصيات ، ومنها طبيعة الجمهور، وأيضا تحولات الهوية في عصر الرقمنة،... لكن فيما يختص يسؤالك يمكننا القول أن القضية المسرحية الأكثر إهمالاً في النقد المسرحي العربي تخص "المسرح الرقمي" وما يطرحه من تحولات جذرية، ويرجع السبب في هذا إلى أن النقد المسرحي العربي، لا يزال يعاني من أزمات تخص المنهج والمصطلح تجعله بعيداً عن مواكبة كل تطور جديد. فالتقنيات الرقمية أحدثت ثورة في مفهوم الخشبة والممثل والجمهور، وبالرغم من هذا يظل النقد منصباً على تحليل النص والعرض بنفس الطرق التقليدية، التي تتجاهل الأسئلة العميقة التي يطرحها المسرح الرقمي.

ففي المسرح الرقمي، لم يعد الجمهور متلقياً سلبياً، بل هو بمثابة شريك فاعل في صناعة المعنى. وهذا من شأنه أن يفرض على الناقد المسرحي أدوات جديدة لتحليل التجربة المسرحية التفاعلية، وهو ما لا تتوفر عليه معظم مناهج النقد المسرحي.

كما أن النص المسرحي المكتوب صار اليوم "نصاً مفتوحاً" قابلاً للتغيير لحظة بلحظة خاصة مع تنامي وسائل الذكاء الإصطناعي والتقنيات التفاعلية وهو ما جعل النقد في أزمة، فالنقد التقليدي يبحث عن "نص فاعل" وهذا يصبح هنا غير كافٍ لفهم هذه التركيبة المسرحية الجديدة.

وربما يرجع كل هذا لسبب يتعلق بتأخر معرفة المسرح الرقمي في الثقافة العربية تأخراً ملحوظاً، فتجاربه لم تظهر إلا حديثاً، والنقد بدلاً من أن يستبق هذه التجارب أو يرافقها بتقديم نقد تأسيسي لهذه الحالة، ظل في حالة ترقب وعزلة عن الممارسة المسرحية الجديدة، ونخلص من هذا لضرورة قيام النقد المسرحي العربي بتطوير أدواته كي يستطيع مسايرة المشهد المسرحي الجديد في العالم..

هل تعتقدون أن الكتابة عن المسرح أصبحت اليوم تواكب تطور الممارسة المسرحية العربية، أم أنها ما تزال أسيرة المناهج التقليدية والمفاهيم الكلاسيكية؟

القليل منها هو ما يواكب تطور الممارسة المسرحية، أما الكثير منها فما زال يدور داخل فلك الشكل التقليدي، أي أن الأمر غير محسوم بالكامل تجاه أحد الطرفين، وهو ما يجعلنا نشعر بوجود فجوة معرفية كبيرة بين الإتجاهين، ويمكن هنا لممارس النقد المسرحي التطبيقي أن يفرق بين ثلاثة حالات نقدية أولها تظل فيه الكتابة حول المسرح ملتزمة بالشكل الأرسطي من حيث البناء الدرامي، الحبكة، الشخصيات المكتملة والواضحة بتحولاتها، وهذا النوع هو الأشهر والأكثر انتشارا، حيث يغدو به النص المسرحي أدبا أكثر منه فنا من فنون الآداء، ويصير الحكم النقدي على العرض منحازا للواقعية الإجتماعية ومدى إلتزام العرض بهموم الشارع المثارة، وفي هذه الحالة تغيب مفاهيم "مابعد الدراما"، أو "الفرجة" وبالتالي يصير الحكم على العروض الجسدية أو التجريدية غير وارد أو غير موفق بالمرة وفق هذا الشكل من الفهم.

الحالة النقدية الثانية وهي قليلة نجدها تخص تحليل العروض المسرحية وفق منهجيات الإنثربولوجيا المسرحية وعلم الجمال الرقمي، وذلك في محاولة مختلفة لفهم آليات عمل العرض المسرحي، والناقد هنا يحاول التخلص من فكرة كونه يمثل سلطة نقدية على العرض المسرحي إلى مجرد شريك فاعل مع العرض في إنتاج المعنى.

والحالة الثالثة تخص النقد الصحفي الإنطباعي الخفيف الذي يكتب في الصحافة وهو عبارة عن آراء شخصية لا تستند لمنهج بعينه وتقف عند حد الإشادة العابرة، وهذه الحالات الثلاث موجودة وتمارس كل يوم بآلياتها نفسها، وفي عالم المسرح يظل المبدع هو الوحيد القادر على تجاوز أي قواعد وكسرها والوصول لقواعد جديدة لذا يجب أن يتحلى الناقد بهذه المرونة التي يتمتع بها المبدع.

كيف يمكن للمسرح العربي أن يحافظ على خصوصيته الثقافية والجمالية، من دون أن ينغلق على نفسه أو يتحول إلى مجرد محاكاة للتجارب المسرحية العالمية؟

لا يمكن أن ينغلق المسرح العربي اليوم على نفسه بحجة الإعتماد على تراثنا العربي وفقط، كما لا يمكن الإكتفاء بتقليد التجارب المسرحية العالمية، بل يمكننا في هذا الصدد المحافظة على خصوصيتنا الثقافية والجمالية عن طريق الجمع بين الأصالة والانفتاح على الآخر فخصوصية المسرح العربي لا ينبغي أن تكون حاجزًا يفصلنا عن العالم، وإنما نقطة انطلاق لحوار ثقافي وجمالي يثريه ويمنحه حضوره المميز.

لذا يمكننا العودة إلى الجذور العميقة لتراثنا الجمالي والفرجوي لا إلى المظاهر الخارجية فقط، وهذا يعني أنه ليس مطلوبا منا استنساخ عناصر التراث الشعبي كما هي موجودة، من رقصات أو أزياء أو حكايات شعبية، وإنما استلهام البنى الثقافية التي صنعت هذا التراث، فالحكواتي، والسامر، والإحتفالات الشعبية، وطرق الحوار والتفاعل بين المجموعات البشرية عبر التاريخ العربي كلها أشكال لها رؤى جمالية يمكن توظيفها في المسرح العربي، وبدلًا من استنساخ النموذج الأوروبي، يمكن استعادة روح السامر العربي وتقديمها في عروض تناقش قضايا الهوية الرقمية أو التحولات السياسية والاجتماعية أو غير ذلك.

كما أنه من الضروري الاستفادة من التجارب المسرحية العالمية بوصفها مجرد تجارب إبداعية وليست نماذج جاهزة، لذا من المهم الإستفادة منها ومن مناهج كبار المسرحيين في العالم من مثل برتولت بريخت، جروتو فسكي، أوجستو بوال،... فمن الضروري فهم منهجهم في التفكير والإبداع، ثم إعادة إنتاجه بما ينسجم مع الواقع العربي. فمثلًا، يمكن توظيف فكرة التغريب عند بريخت بطريقة تناسب المتلقي العربي، لا بهدف تقليد يريخت، بل لإعادة تشكيل علاقة الجمهور بالعرض، وتجديد مفهوم مثل الفرجة في ثقافتنا المسرحية العربية.

هذا مع التأكيد على أن الخصوصية في المسرح العربي لا تعني التمسك بالماضي، فنحن اليوم في عصر الآلات وصرنا نتفاعل بقوة مع التكنولوجيا، كما أنه لزاما علينا مواجهة تحديات العصر الذي نعيشه. لذلك ينبغي أن يعكس المسرح هذا الواقع، سواء من خلال اللغة اليومية بما تحمله من إيقاع وحيوية، أو عبر تقديم شخصيات تعيش القلق والاغتراب والأسئلة الوجودية في عالم سريع التغير، بدلًا من الاكتفاء بمعالجة حيوات الأبطال التاريخيين وأبطال القصص الشعبية.

وفكرة الانفتاح الحقيقي لا تعني الذوبان في الآخر، بل إقامة حوار متبادل معه. فمن الممكن أن يقدم المسرحي العربي تجربته الخاصة بلغة فنية أصيلة إلى العالم، كما يمكنه إعادة تقديم النصوص العالمية بروح عربية في الأداء والإيقاع والرؤية، وهو ماحدث كثيرا في بعض التجارب العربية ويحدث كثيرا في مصر، ومن خلال هذا التفاعل يولد خطاب مسرحي عربي جديد، يضيف إلى الثقافة الإنسانية، وخصوصية المسرح العربي لا تتحقق في كثرة المعالجات التراثية أو المظاهر الشعبية، وإنما في قدرة هذه المعالجات على طرح أسئلة الإنسان العربي المعاصر بصدق وعمق، عبر استخدام لغة بصرية وحركية تنبع من بيئتنا وثقافتنا العربية فعندما يتناول المسرح قضايا: الحرية، الهوية، الخوف، الجسد، المستقبل، من منظور عربي أصيل، فإنه يصبح أكثر قدرة على الوصول إلى الغرب، لأن الإنسان يظل واحدًا مهما اختلفت الثقافات. إن الخطر الحقيقي على المسرح العربي ليس في الانفتاح على الآخرين، بل في أن يتحول إلى حالة راكدة مكررة تعيد إنتاج الماضي دون المشاركة في صناعة المستقبل.

ولي تجربة في هذا الصدد عندما كتبت مسرحيتي "كوميديا الأحزان" والتي عالجت فترة التحول السياسي والتغيرات العنيفة التي حدثت في 2011 في مصر، رصدت فيها شكل الحياة الإجتماعية وانعكاسها على الناس البسطاء وهو ما جعل النص إنسانيا في المقام وعندما قدم على خشبة المسرح في مصر ذاع صيته وهو ما جعله يتجاوز محليته ويتم ترجمته لعدة لغات منها الإنجليزية ثم عرض بعد ترجمته على مسارح برودواي في نيويورك يإخراج أمريكي وممثلين أمريكان وطاف بعد ذلك أكثر من عشر ولايات أمريكية بمعالجات إخراجية مختلفة لمخرجين منهم: ريبيكا ماغور، تريسي كاميرون فرانسيس، جيمس ماكديرموت،... وفامت ببطولته في نيويورك نجلا إبنة المفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد. وهذا يعني أن المسرح العربي إذا أخلص لعربيته وعالج قضايا إنسانية عامة وليست قضايا مشوشة أو هامشية يمكن له المنافسة عالميا.

ككاتب مسرحي، ما هي القضايا الاجتماعية أو الإنسانية التي تهتم بها في أعمالك المسرحية بشكل عام؟ وكيف تأمل في تأثير هذه القضايا على الجمهور؟

تأثير المسرح قوي جدا على الجمهور، لكن المسرح ليس متاحا طوال الوقت أمام الجمهور، المجتمع منجذب بكليته للتليفزيون، لذا فمحاولات وصول العروض المسرحية للناس هي محاولات جيدة ويجب أن تستمر.

وفي كتابتي مررت بمراحل متعددة، منها مرحلة البدايات التي كنت مغرما فيها بتيار ما بعد الحداثة وحينئذ كتبت "سلم طالع للشمس، الكونكان، حلم فاتح ع الشارع، أخت القمر، ..." ثم بدأت بعدها في كتابة معالجات مسرحية تتناول قضايا العدالة والحرية وأفكار التسامح، وفيها كتبت " أيام إحناتون، مراكب الشمس، خارج سرب الجنة، جنة الحشاشين،... والآن أحاول الإهتمام أكبر بقضايا الإنسان في علاقته وتشابكاته مع مجتمعه، أيهما يؤثر في الآخر، وكيف يتحرر الإنسان من كل تلك القيود المفروضة عليه ليستعيد إنسانيته التي تم محوها بفعل تحولات اجتماعية وسياسية مرعبة مرت به خلال العقود الأخيرة. وفي هذه المرحلة يصعب أن تجد مدرسة مسرحية بعينها بقدر ما ستجد نصوصا مفتوحة على الواقع، كل نص لا يشبع إلا نفسه، وكلهم ينطلقون من أفكار إنسانية بسيطة.

كيف ترى دور الكاتب المسرحي في تحرير الذات الإنسانية من القيود النفسية والاجتماعية؟

الإنسان لا يحيا منفردا داخل مجتمعه فهو يتفاعل مع البشر من حوله، ومع القوانين والسياسات وشروط اللحظة الراهنة، لكن يوجد هناك حساسيات مختلفة لدى الناس، بعضهم يتأثر في صمت، والبعض الآخر يهاجم في غضب، أما الكتاب والفنانين فهم يتفاعلون بشكل مختلف مع مجريات الأمور، يرصدون الأزمات والصراعات وما طرأ على الفرد من تغيرات داخل إبداعهم ويقدمون تحليلاتهم الإبداعية على هيئة إبداع فني جاذب ومشوق وله القدرة على التأثير وجذب الإنتباه، ربما تنجح تحليلاتهم ورؤيتهم لشكل ووضعية الفرد والمجتمع والتحولات التي تؤثر عليهما في إحداث تغيير ما داخل تركيبة القاريء أو المشاهد للفن.

قديما هوراس وأرسطو في تحليلاتهم عبر "فن الشعر" قررا أن للمسرح وظيفتان هما الإفادة والإمتاع، وبالتالي فوظيفة كتاب المسرح أو الفنون بصفة خاصة تلخصها هاتين الكلمتين، وطغيان إحداهما على الأخرى قد يضر بالمعادلة، والإمتاع نعرفه، أما الإفادة فيمكن أن تكون من خلال رصد التغيرات المحتملة للإنسان إيزاء تعرضه لظروف معينة، هل يستجيب ويخنع لها أم يواجه طبقا لقناعاته وأفكاره وقيمه الخاصة، فعل المواجهة هنا يعني دفاع هذا الشخص عن أفكاره، والنتيجة تكون بحدوث تغير ما أو بثبات هذا الشخص على أفكاره نتيجة صحتها، أو التنازل عنها لثبات عدم صحتها، في كلتا الحالتين يحاول الفن هنا تحرير هذا الشخص من قيود الأفكار البالية التي تعزله عن رؤية مسارات الحقيقة.

صدر لك عدة كتب عن الهيئة العربية للمسرح منها مجموعتك المسرحية "المكحلة واليشمك" كيف كانت تجربتك في كتابة هذه المسرحيات، وما الفكرة التي حاولت نقلها من خلالها..؟

تحتوي المجموعة على أربعة مسرحيات كتبت في فترات زمنية مختلفة وبالتالي لا يجمعها هم واحد ولا فكرة معينة لكن إجمالا أبحث داخل مسرحياتي عن الإنسان داخل سياقه التاريخي والاجتماعي، عن قيوده ومكبلاته، عن حريته ووجوده، فمثلا نص "المكحلة واليشمك" يناقش المسكوت عنه في حياة وأسرار مجموعة من النساء في ظروف اجتماعية ضاغطة، ونص "العطش" يرصد شكل الحروب المستقبلية التي سيكون الماء العذب أحد أسبابها ويطرح أسئلة عن البدائل، أما "ظل الحكايات" فيغوص داخل النفس البشرية محللا إياها بطريقته الخاصة وراصدا لأهم تحولاتها ما بين أقنعة الواقع وتعرّي لحظات الحلم، وهكذا فلا ناظم معين للمجموعة بقدر ما يمكننا القول بأنها في مجملها ترصد وتؤكد على سمات موجودة في أعمال أخرى لي.

في مسرحيتك "العطش"، كيف قررت استكشاف قضية الصراع العالمي حول الماء العذب؟ وهل تؤمن أن المسرح يمكن أن يكون وسيلة فعالة للتوعية بالقضايا البيئية؟

من المهم أن يكون للمسرح رأي في معالجة قضايا المجتمع في ظل تلك التحولات المرعبة التي نحياها، تحولات في طبيعة حركة الإنسان وعلاقته بالتاريخ والجغرافيا والثوابت القيمية، تحولات في شكل الصراعات الدولية، تحولات في المصالح،...إلخ

ونص العطش كتب سنة 2001 مستشرفا حروب جديدة ستحدث عن السيطرة على منابع المياة العذبة، ولأهميته أعدت كتابته مرة أخري في عام 2017 والمعالجة الأخيرة هي المنشورة داخل المجموعة، وفكرة استشراف عمل أدبي لحدوث شيء ما في المستقبل ليست تنبئا ولا غيره ولكنها قراءة خاصة للكاتب يبنيها على أساس من التحليلات التي يقوم بها، فالكاتب إبن مجتمعه ولا يمكن له الإنفصال عن قضاياه مهما إدعى ذلك.

في مسرحيتك "ظل الحكايات"، كيف جمعت بين السرد الروائي والحوار المسرحي لتصوير الواقع الممتليء بالصراعات والعنف؟

ظل الحكايات مسرحية بمواصفات خاصة، قد لا تعجب البعض، وقد يغرم بها البعض الآخر، مرجع ذلك بنيتها الشكلية والفكرية المتجاوزة ـ إلى حد ما ـ للمواصفات المسرحية التقليدية، فهي تحلل دواخل النفس البشرية من خلال رصد لأهم أحلامها وكوابيسها، وقد كتبتها بناءا على تجميع شخصي لأهم الأحلام والكوابيس التي حدثت لي شخصيا، وبدأت عبر إنتقائي لبعضها ممن تجمعهم نقاط معينة في بناء تصميم شكلي للنص يمزج ما بين السرد الروائي عبر تلك المونولوجات التي تقولها الشخصيات، وما بين الحوار المسرحي الدافع لحركة الصراع، مع تضمين النص تحليلا لبعض أفكار الحكايات والأمثولات القديمة والتاريخية في علاقتها مع الأحداث، كل ذلك من خلال بطل درامي يخوض رحلة خاص لاستكشاف شيء مجهول يؤرقه ليكتشف مع تقدم الأحداث أنه يحاول اكتشاف ما خفي عنه من ذاته، عموما هي تجربة حاولت فيها كما في التجارب الأخرى تقديم تغييرا في شكل كتابتي الراهنة عن تلك السابقة.

إذا طلب منكم إعادة كتابة كتابكم اليوم بعد سنوات من صدوره، فما الفكرة أو الفصل الذي ستعيدون النظر فيه في ضوء التحولات الفكرية والمسرحية الراهنة؟

لدي قناعة دائمة بأن ما كتبته ناقص بالفعل ويحتاج طول الوقت للتطوير ، لذا لا أحب إعادة قراءة كتبي بعد نشرها، فقط ألقي نظرة عامة عليعها وأمضي وكلما عدت لها لسبب أو لآخر أشعر أنه كان يمكنني التأني قبل النشر فهناك الكثير من النواقص التي كان يجب علي الإلتفات لها، وهذا يمثل صراعا دائما داخلي، لذا أنتبه كثيرا لما أنشره، وهناك نصوص مسرحية كتبتها وتم تنفيذها بالفعل على خشبة المسرح وحتى الآن لم أنشرها ولم أضمها لقائمة مسرحياتي لشعوري بأنها مازالت غير مكتملة ومنها مثلا مسرحيات: زنزانة لكل مواطن، طعم الخوف،.. لذا أرجو أن أوفق في العودة لها ومراجعتها.

حدثنا عن فكرة كتابك المسرحي النقدي الذي صدر عبر الهيئة العربية للمسرح هذا العام يناير 2026 والمعنون بـ "تحولات النقد المسرحي في مصر"

يستعرض الكتاب مسار النقد المسرحي المصري منذ بداياته وحتى الآن، موضحاً تحوله من كتابات صحفية بسيطة إلى خطاب أيديولوجي ملتزم بأهداف الثورة الإشتراكية التي حدثت في مصر في الستينيات، حيث أصبح النقد أداة لتكريس العدالة الاجتماعية والقومية العربية، مع ازدهار مسرح الستينيات الذهبي وظهور دعوات تأصيلية عند توفيق الحكيم وعلي الراعي ويوسف إدريس سعت لهوية مسرحية مصرية مستقلة عن النموذج الغربي.

، وترصد الدراسة تحول النقد إلى ساحة لمحاكمة الأسباب التي أدت لتغيرات جذرية في شكل النقد المسرحي بعد نكسة 67 في مصر، مع ظهور تيارين: مسرحيات السلطة التي تبرر الهزيمة، ومسرح تجاري للتسلية، تلتها مرحلة الانفتاح الاقتصادي في السبعينيات، حيث انقسم النقد بين خطاب رسمي يدعم الدولة وآخر مستقل ينتقد سياسات السادات ويعالج هموم المواطنين اليومية. وفي الثمانينيات والتسعينيات، تأثر النقد بمناهج ما بعد الحداثة والسيميائية، وانشغل بصراعات الهوية وصعود التيار الديني، كما أسهم مهرجان القاهرة للتجريب في إحداث صدمة جمالية وسعت آفاق النقد.

ويركز الكتاب على ضرورة أرشفة النقد المسرحي باعتباره ذاكرة تاريخية تعكس تحولات الفن والسلطة، محذراً من غياب التوثيق الذي يخلق فجوات في تاريخ المسرح المصري، داعياً إلى رقمنة الأرشيف، وتوسيع الاهتمام ليشمل مسارح الأقاليم والجامعات والفرق المستقلة، مع لغة نقدية واضحة وشجاعة، وإعادة الاعتبار للناقد كشريك في إنتاج المعنى لا مجرد واصف أو محكم خارجي وصولا إلى تشريح لحالة النقد المسرحي الراهن بأشكاله المختلفة، الأكاديمي منها والصحفي الإنطباعي.

كيف كان تعاون الهيئة العربية للمسرح في إتمام فصول الكتاب؟

تمثل الهيئة العربية للمسرح حالة ثقافية حاضنة للمشهد المسرحي العربي بشكل عام وتسعى عبر جهودها في عدة مسارات متوازية منها ما يخص توثيق حركة المسرح العربي، ومنها تنشيط حركة ترجمة تنقل ما يحدث في العالم، ومنها رصد أهم الظواهر الفنية وجديد المشهد المسرحي العربي، وهي أدوار مهمة من أجل إثراء المسرح العربي.

ما رأيك بالمسرح السعودي وحالته الراهنة ورؤية المملكة له، هل يمكنك رصد المشهد من متابعتك له؟

شهد المسرح السعودي خلال السنوات الأخيرة تحولاً لافتاً يمكن اعتباره أحد أبرز ملامح الحراك الثقافي في المملكة. وقد جاء هذا التحول في سياق المشاريع الثقافية الكبرى التي صاحبت رؤية المملكة 2030، والتي منحت الثقافة والفنون مكانة محورية ضمن مشروع التنمية الشامل وتم رسم سياسات أكثر وضوحاً لدعم الإبداع، وتوفير بيئة مناسبة لازدهار الحركة المسرحية، وهو ما انعكس بصورة ملموسة على مستوى الإنتاج والاحتراف والاهتمام بالمسرحيين بشكل عام.

وقد أثمرت هذه المرحلة الأخيرة عن حضور متنامٍ للمسرح السعودي في المشهدين العربي والدولي، بفضل جهود عدد من الكتاب والمخرجين والفنانين الذين استطاعوا تقديم تجارب متميزة خارج حدود المملكة، ومن بينهم الأصدقاء الأعزاء (من دون ترتيب أو أولوية للمحبة ومع حفظ الألقاب) سامي الجمعان ، فهد ردة الحارثي، ملحة عبد الله، ياسر مدخلي، سامي زهراني، عباس الحايك، محمد الجفري..... إلى جانب أسماء أخرى أسهمت في ترسيخ صورة المسرح السعودي بوصفه تجربة تتطور باستمرار وتفرض حضورها في المهرجانات والملتقيات المسرحية.

كما شكل تأسيس هيئة المسرح والفنون الأدائية منذ ستة أعوام محطة فارقة في مسيرة هذا الفن، إذ وفرت إطاراً مؤسسياً لتطوير القطاع، ودعمت إنتاج عروض ذات مستوى فني عالٍ وصلت إلى منصات دولية ونالت تقديراً وجوائز في عدد من الدول الأوروبية والأميركية. ومن أبرز هذه الأعمال مسرحية “طوق” لفهد الدوسري، و”تكلم حتى أراك” ليوسف الحربي، وأوبرا “زرقاء اليمامة” من تأليف صالح زمانان، ومسرحية “سجناء أحرار” لتركي باعيسى. ولم يقتصر الاهتمام على الإنتاج المسرحي، بل امتد إلى إعداد الكوادر الوطنية من خلال البعثات الأكاديمية، وإنشاء الفرق المسرحية، وإطلاق مهرجانات متخصصة مثل مهرجان الرياض المسرحي، ومسابقة “إثراء للمسرحيات القصيرة”، وعروض “ترحال”.

ومن أبرز ملامح المشهد المسرحي الراهن في المملكة اتساع دائرة المشاركة المجتمعية، وارتفاع مستوى الحضور النسائي في مجالات التأليف والإخراج والتمثيل، إلى جانب تنوع التجارب الفنية بين الاتجاهات الكلاسيكية والحديثة والتجريبية، بما يعكس رغبة في بناء خطاب مسرحي يجمع بين المحافظة على الهوية والانفتاح على الأساليب العالمية. كما يشير تزايد الإقبال الجماهيري إلى تنامي الوعي بأهمية المسرح، رغم استمرار الحاجة إلى ترسيخ عادة ارتياد العروض المسرحية لتصبح جزءاً من الحياة الثقافية اليومية.

 

وفيما يخص مستقبل المسرح السعودي كيف تراه؟

لم يحالفني الحظ في زيارة السعودية زيارة مسرحية لمتابعة مجريات مسرحها من الداخل ومتابعاتي لها مقتصرة على المراقبة عن بعد ومن خلال التواجد السعودي في المهرجانات المسرحية المختلفة في معظم البلاد العربية ومصر، وفيما يخص رؤيتي للمستقبل التي تسأل عنه فأرى أن آفاق المسرح السعودي إيجابية في ظل استمرار الاستثمار في البنية الثقافية، والتوسع في استخدام التقنيات الحديثة، وتعزيز التعاون مع المؤسسات المسرحية والثقافية الدولية، إضافة إلى برامج اكتشاف المواهب الشابة وتأهيلها. ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات ينبغي التعامل معها، من أبرزها توفير المزيد من الكفاءات التقنية المتخصصة، ومواجهة ارتفاع كلفة التقنيات الرقمية، وتفعيل دور النقد المسرحي والبحث الأكاديمي بما يواكب التطور المتسارع للحركة المسرحية. وإذا استمرت هذه الجهود بالوتيرة نفسها التي عي عليها الآن، فإن المسرح السعودي يمتلك مقومات حقيقية تؤهله ليكون أحد أبرز التجارب المسرحية العربية ومن أكثرهذه التجارب حضوراً على الساحة الدولية.