الكاتب : النهار
التاريخ: ٣٠ أغسطس-٢٠٢٦       3245

حاوره- نوره محمد بابعير
المكان والذاكرة تتشكل كثير من الحكايات، ويأتي الكاتب ليمنحها حياة أخرى عبر السرد واللغة. في تجربة  جمعان الكرت، لا يبدو المكان مجرد خلفية للحكاية، بل مساحة تتقاطع فيها الذاكرة مع الإنسان والتفاصيل اليومية، لتتحول إلى مادة سردية تحمل دلالاتها وأسئلتها.
جمعان الكرت كاتب وقاص وصحفي ولديه عدة مؤلفات قصصية ، يقترب من الإنسان عبر الحكاية، ويمنح التفاصيل الصغيرة حضورًا في كتاباته. حتى أنه أخذت رغدان المساحة الأكبر من حكاياته و في هذا الحوار، سوف نرى علاقته بالمكان، وتحولات الكتابة بين القصة و الصحافة . 

 
المكان حين  يسكن الكتابة …

1- يقال إن المكان الذي ننتمي إليه يسكن فينا أكثر مما نسكنه؛ كيف تحوّلت الباحة في تجربتك من مكانٍ عشت فيه إلى مساحةٍ أدبية تستدعيها في كتاباتك واهتماماتك؟

المكان يسكنني منذ مراحل طفولتي الأولى؛ فقد ولدت في قرية تتسنم جبال السروات، هي رغدان، التي اشتق اسمها من رغد العيش، ويحُفّ بها وادٍ يجري فيه نهر مستمر يُعرف بوادي قوب. وفي تلك القرية السروية نشأت، ورأيت المكان ينمو أمامي؛ تزداد مبانيه وسكانه، وتزدهر الحياة فيه بخصوبة الوادي، وبالمدرجات الزراعية التي رسمها الآباء والأجداد بهممهم على سفوح الجبال، حتى غدت لوحة جبلية باهية تنتج الحنطة والذرة والفواكه.
لم يكن المكان بالنسبة إليّ مجرد جغرافيا أقمت فيها، بل كان الذاكرة الأولى التي تشكلت فيها رؤيتي للحياة. خزّن المكان في داخلي كثيرًا من المشاهد والمواقف والأصوات والروائح، ولذلك لم أستطع أن أبرح ما أوجده في مشاعري وأحاسيسي.
ومع الزمن أدركت أنني لا أكتب عن المكان بقدر ما أكتب من داخله. لقد كانت رغدان ، في كثير من الأحيان، هي التي تكتب القصة القصيرة والمقالة الأدبية، في توافق وتناغم وانسجام مع ذاتي. فالمكان لم يعد موضوعًا خارجيًا أستدعيه متى شئت، وإنما أصبح نبرة تتسلل إلى اللغة، وظلالًا تتشكل خلف الشخصيات، وذاكرة تستدعي ما ظننته نسيته.
لقد تحولت رغدان في تجربتي من مكان إلى كائن أدبي؛ لها صوتها ورائحتها ووجوهها وغيابها أيضًا. ولعل أجمل ما يمنحه المكان للكاتب أنه لا يمنحه ذاكرة تخصه وحده، وإنما ذاكرة يمكن أن يتحول فيها الخاص إلى عام، والشخصي إلى إنساني.

2- القصة القصيرة تقوم على التقاط لحظة مكثفة، بينما الصحافة تقوم على ملاحقة التفاصيل والوقائع؛ أين تجد نفسك أكثر: في اختزال الحياة داخل قصة، أم في تفكيكها عبر الصحافة؟

طرقت الجانبين: القصة القصيرة والصحافة، ولكل منهما أدواته وأساليبه. القصة تكشف الحقيقة بالرمز، بينما المقالة تحلل الحقيقة بالعقل. وقد علّمتني الصحافة الدقة، والاقتصاد في اللغة، وسرعة الملاحظة، والانتباه إلى تفاصيل الواقع، بينما منحتني القصة الخيال والحرية في التعبير، والعمق النفسي والرمزي.
لذلك أجدني في كليهما، لكنني أرى أن الصحافة علّمتني كيف أنظر، بينما علّمتني القصة كيف أرى ما وراء المنظور.
في الصحافة ألاحق الواقعة، وأفتش عن التفاصيل، وأسأل: ماذا حدث؟ وكيف حدث؟ ومن كان هناك؟ أما في القصة فأذهب إلى المسافة الخفية بين ما حدث وما شعر به الإنسان وهو يحدث.
وأرى أن القصة أداة كشف ووسيلة استقصاء ناعمة؛ تتسلل إلى المسكوت عنه في الواقع الاجتماعي والإنساني، دون أن تفقد جمالياتها الفنية. فالصحافة تنقل الأحداث كما هي، وتعتمد على مهنية الصحفي وقدرته على سبر أغوارها وتقديمها في قالب جذاب، بينما تتكئ القصة على الرمز والإيحاء والخيال.
ولهذا لا أرى بينهما قطيعة؛ إنهما طريقتان مختلفتان في الاقتراب من الحقيقة. واحدة تمسك بالحدث، والأخرى تحاول أن تمسك بصداه في الروح.

3- ما الذي تستطيع القصة أن تقوله عن الإنسان ولا تستطيع المقالة أو المادة الصحفية قوله، رغم أن الموضوع قد يكون واحدًا؟

القصة تستطيع أن تدخل إلى المنطقة التي لا تستطيع الكاميرا الوصول إليها.
المادة الصحفية تنقل الحدث، وتستقصي تفاصيله، وتعتمد على مهنية الصحفي في تقديم الحقيقة للقارئ، أما القصة فتستطيع أن تتجاوز ظاهر الحدث إلى ما يختبئ خلفه من مشاعر ودلالات.
قد أكتب بأسلوب صحفي عن رجل فقد ابنه، فأصف الواقعة وأستقصي تفاصيلها وأرصد آثارها، لكن القصة تستطيع أن تجعلنا نقف معه في لحظة صمته؛ حين يمد يده إلى مكان كان يجلس فيه ابنه، ثم يسحبها دون أن يقول شيئًا.
هناك أشياء في الإنسان لا تُقال، وإنما تُرى من خلال الصمت.
القصة لا تنافس الصحافة في نقل الحقيقة، وإنما تبحث عن حقيقة أخرى: حقيقة الإنسان كما يعيشها من الداخل. ولهذا قد يكون الموضوع واحدًا، لكن المسافة النفسية مختلفة؛ فالمقالة قد تخبرك بما حدث، بينما القصة قد تجعلك تشعر كيف حدث ذلك داخل إنسان.

4- كيف تبدأ القصة لديك؟ هل تنطلق من شخصية، أو موقف، أو تفصيل عابر، أم أن الحكاية تتشكل تدريجيًا أثناء الكتابة؟ وما الذي يجعلك ترى في تفصيل ما مادةً تستحق أن تتحول إلى قصة؟

القصة تأتيك أحيانًا كزهرة فواحة، وأحيانًا كنسيم عليل، وأحيانًا تكون جامحة كالخيل. وما إن تتشكل في الذهن حتى تسارع إلى الخروج، وعندها يكون القلم والورقة جاهزين.
لكن هذه الومضة الأولى لا تكفي وحدها؛ إذ تأتي بعدها معرفة تقنيات القصة من حيث اختيار الكلمات، وبناء الشخصيات، والوصف، والمكان، وتحديد الزمان، والثيمة. وقد يكون بطل القصة شخصية تراها العين، وقد تتشكل بعض الشخصيات من تهويمات الخيال.
وغالبًا ما تبدأ القصة عندي من شيء يبدو للآخرين عابرًا، لكنه يترك في داخلي سؤالًا لا يهدأ: نظرة في وجه رجل، جملة قيلت في غير موضعها، باب ظل مغلقًا سنوات، امرأة تنتظر شخصًا لم يأتِ، أو تفصيل صغير في سوق قديم.
هذه الأشياء قد تبدو بلا أهمية، لكنها أحيانًا تحمل في داخلها حياة كاملة.
أنا لا أبحث بالضرورة عن الحدث الكبير، بقدر ما أبحث عن الإنسان المختبئ داخل التفاصيل الصغيرة. وحين يلحّ عليّ تفصيل ما، أشعر أنه لا يريد أن يبقى تفصيلًا؛ يريد أن يفتح بابًا لحكاية.
وهنا تبدأ الكتابة، وأحيانًا أبدأ وأنا لا أعرف إلى أين ستذهب القصة. ولعل هذا جزء من متعتها؛ أن تترك للحكاية شيئًا من حقها في أن تفاجئ صاحبها.


الإنسان بين السطور …

5- يحضر سوق رغدان التاريخي في اهتمامك بصورة لافتة؛ ماذا يمثّل لك هذا السوق بوصفه جزءًا من ذاكرة المكان وواجهةً تختزن تفاصيل الناس وحكاياتهم، وليس مجرد مساحة للتجارة؟

شهد سوق رغدان التاريخي الكثير من الأحداث. ومنذ طفولتي المبكرة كنت أشاهد السوق وهو ينبض بحضور رواده من أنحاء المنطقة. واستمر على هذه الحال حتى تسعينيات القرن الماضي، ثم بدأ يتضاءل حضوره تدريجيًا حتى انطفأ تمامًا، لكنه بقي في الذاكرة كما هو.
ما زلت أستعيد مرتاديه وحوانيته، ورائحة الريحان والكادي التي تعبق من محال بيع النباتات العطرية، وأصوات الباعة التي كان يعج بها السوقان الأعلى والأسفل، ومنارة المسجد العالية التي تبدو كأنها تحرس الموجودين حولها، والمنازل الحجرية التي تحتضن السوق بحنو بالغ.
لم يكن السوق بالنسبة إليّ مكانًا للبيع والشراء فقط؛ كان مكانًا يعبق منه التراث وينطق التاريخ.
سوق رغدان بالنسبة لي ليس سوقًا بالمعنى الذي تقوله الجغرافيا، وإنما ذاكرة تمشي على قدمين.
كان مكانًا تتقاطع فيه حكايات الناس: البائع والمشتري، المسافر والمقيم، القادم من قرية بعيدة والعائد إلى بيته. وكان لكل وجه فيه حكاية، ولكل دكان ذاكرة، ولكل صوت نبرة يمكن أن تعيد إلى المكان روحه حتى بعد أن يتغير.
الأمكنة لا تحفظ حجارتها فقط؛ إنها تحفظ الذين مروا بها. وسوق رغدان من الأمكنة التي أشعر أنها احتفظت بالناس أكثر مما احتفظت بالبضائع.
لذلك حين أستعيده لا أستعيد سوقًا، بل أستعيد زمنًا كاملًا؛ زمنًا كانت فيه التفاصيل اليومية الصغيرة قادرة على أن تصنع ذاكرة لا تمحى.

6- هل هناك فرق بين أن تكتب عن الإنسان الذي تعرفه، وأن تكتب عن الإنسان الذي تكتشفه أثناء الكتابة؟

هذا من صميم بناء الشخصيات في القصة القصيرة. لا يمكن أن تصف إنسانًا تعرفه تمامًا وصفًا دقيقًا كما هو، بل لا بد أن تترك للخيال دوره الأدبي ليضع الشخصية في المكان اللائق بها.
وطبيعة الحال أن اللغة تختلف حين يكون بطل القصة شيخًا عنها حين يكون مزارعًا أو بائعًا؛ فلكل إنسان وضعه المناسب الذي يتناسب مع وضعه الاجتماعي والثقافي والنفسي. والكاتب لا يشتغل على الشخصية وحدها، وإنما يراعي كذلك الزمان والمكان والأحداث، ويكتب حين يجد أن ما يكتبه يحقق فائدة أو يضيف معنى.
لذلك هناك فرق بين الإنسان الذي أعرفه والإنسان الذي أكتشفه أثناء الكتابة. فالإنسان الذي أعرفه أدخل إليه وأنا أحمل عنه صورة مسبقة، أما الإنسان الذي أكتشفه أثناء الكتابة فأدخله وأنا أحمل سؤالًا.
وأحيانًا تكون الكتابة أجمل حين تخالف الشخصية الصورة التي رسمتها لها في ذهني؛ فقد أبدأ بشخص أعرفه، ثم أكتشف أنني لم أكن أعرفه حقًا. أعرف اسمه ومهنته وملامحه، لكنني لا أعرف خوفه، ولا وحدته، ولا الشيء الذي ظل يخفيه عن الناس.
الكتابة تمنحني هذه المفاجأة؛ أن أكتشف أن الإنسان أوسع من سيرته، وأن الوجه الذي نراه ليس دائمًا الوجه الذي تسكنه الحقيقة.

7- هل تعتقد أن الكتابة تجعل الكاتب أكثر قدرة على الكتابة، أم أكثر قدرة على معرفة ما الذي يستحق أن يُكتب؟

أظن أن أهم ما تمنحه الكتابة للكاتب ليس زيادة قدرته على الكتابة فحسب، وإنما زيادة حساسيته تجاه الحياة.
في البداية يظن الكاتب أن عليه أن يجد موضوعًا يكتب عنه، ثم يكتشف مع الوقت أن الحياة كلها موضوع، لكن ليست كل الأشياء جديرة بأن تتحول إلى كتابة.
الخبرة الحقيقية أن تعرف ما الذي ينبغي أن يظل عابرًا، وما الذي يستحق أن تمنحه من وقتك ولغتك وذاكرتك.
فالكاتب، في تقديري، لا يتعلم فقط كيف يكتب؛ يتعلم كيف يصغي، وكيف يرى، وكيف يلتقط المعنى من الأشياء التي تمر أمام الآخرين دون أن يلتفتوا إليها.
ولعل الكتابة في جوهرها ليست إضافة الكلام إلى الحياة، وإنما اكتشاف ما في الحياة من كلام لم يُقل بعد.

8- عملت في التعليم والصحافة والأدب، وهي مجالات تقوم جميعها على التعامل مع الإنسان؛ أي تجربة منها غيّرت نظرتك إلى الناس أكثر؟

أمضيت في التعليم ما يزيد على ثلاثة عقود، بين معلم ومشرف تربوي ومساعد لمدير مكتب التربية والتعليم بوسط الباحة. وهي مهنة أتشرف بأنني عملت بها، وقد اكتسبت خلالها خبرات واسعة، سواء من خلال الممارسة اليومية، أو اللقاءات التربوية، أو الدورات التدريبية.

أما الصحافة فقد عشقتها منذ أن كنت طالبًا في جامعة الملك عبدالعزيز، وأظن أن مدينة جدة دفعت بي أكثر إلى ممارسة العمل الصحفي، من خلال المقالة الرياضية والاجتماعية. وفي الوقت نفسه ظلّت القرية التي أحمل لها شوقًا كبيرًا وحنينًا جامحًا حاضرة في وجداني؛ بواديها وطيورها وأزهارها وناسها.

أما الأدب فقد شدتني إليه القصة القصيرة كثيرًا، ويعود الفضل في ذلك إلى أستاذي وأخي الأستاذ مهدي الكرت. ثم ازداد ولعي بالقصة من خلال مكتبة جامعة الملك عبدالعزيز، حيث توفرت مجموعات متنوعة من الكتب الأدبية لكتاب سعوديين وكتاب من أرجاء الوطن العربي.
وكنت معجبًا كثيرًا بالقاص والروائي عبدالعزيز مشري، وهو ابن قرية محضرة في منطقة الباحة، لما يمتلكه من أسلوب فاتن، فضلًا عن اهتمامه بالبيئة التي عاش فيها. وقد ظل هذا الجانب في تجربته مؤثرًا فيّ، رحمه الله.

التعليم علّمني أن الإنسان لا يُقاس بما يظهر منه في لحظة واحدة، والصحافة علّمتني أن لكل إنسان رواية تستحق أن تُسمع، والأدب علّمني أن وراء الرواية الظاهرة رواية أخرى أكثر خفاءً.
لكنني لا أستطيع أن أفصل هذه التجارب عن بعضها؛ فقد كانت، في جوهرها، رحلة واحدة في معرفة الإنسان، اختلفت أدواتها وتعددت أسئلتها.


ما تبقى من التجربة …

9- بحكم تجربتك في التعليم وحضورك في المجال الإعلامي، إلى أي مدى أسهمت التجربة التعليمية في تشكيل رؤيتك الإعلامية وطريقتك في التعامل مع المجتمع؟

وظفت خبرتي الإعلامية في عدد من الإصدارات؛ فقد أصدرنا مجلة بعنوان «الوسط التربوي»، واحتوت على المقالة والخبر والاستطلاع والصور، فكانت مجلة مكتملة الأركان. كما شاركت مع زملائي في تحرير مجلة «تعليم الباحة»،  إلى جانب أعمال صحفية أخرى ذات علاقة بالتعليم. كما رأست تحرير مجلة (بروق) الصادرة عن النادي الأدبي بالباحة وهي تعنى بالإبداع القصصي والنقدي وشاركت في تحرير مجلة  المنتدى التي كان يصدرها أدبي الباحة وفي المركز الإعلامي أصدرنا مجلة رقمية بعنوان "جارة السحاب"   
وكانت الأعمال الإعلامية في المجال التعليمي ترسخ كثيرًا من القيم، وتعزز الرسالة التربوية، وتدعو إلى حفظ مكانة المعلم وتثمين دوره، وإبراز دور مدير المدرسة والمشرف التربوي، كما كانت تهتم كثيرًا بالطالب وتحفز الموهوبين في مختلف المجالات.
لقد منحني التعليم شيئًا أراه أساسيًا في العمل الإعلامي: الإنصات قبل الحكم.
فالمعلم يتعامل مع الإنسان في طور التشكّل، ولذلك يتعلم ألا يختزل شخصًا في خطأ، وألا يحكم على طالب من إجابة واحدة. وهذه الرؤية رافقتني في العمل الصحفي؛ إذ كنت دائمًا أشعر أن خلف الخبر إنسانًا، وخلف المعلومة سياقًا، وخلف الموقف أسبابًا قد لا تظهر من الوهلة الأولى.
ولعل التعليم جعلني أكثر حرصًا على أن تكون الصحافة جسرًا بين الإنسان والمجتمع، لا مجرد نافذة تطل على الأحداث.

10- مرّت على تجربتك الأدبية سنوات طويلة، وتغيّرت خلالها اللغة ووسائل النشر وذائقة القارئ؛ ما الشيء الذي ترى أنه تغيّر فعلًا في الأدب، وما الشيء الذي لم يتغير؟

تغيرت الوسيلة كثيرًا، وتغير إيقاع التلقي، وتبدلت علاقة القارئ بالنص. وأصبح النص يصل بسرعة أكبر، كما أصبح القارئ أكثر استعجالًا، وأصبح الكاتب أمام فضاء واسع للنشر لم يكن متاحًا في السابق.
وفي الأدب نفسه نلحظ اتجاهًا واضحًا نحو الاقتصاد في اللغة، وخصوصًا في مجال القصة، حيث ظهر ما يعرف بالقصة القصيرة جدًا «ق. ق. ج»، وهي جنس أدبي رفيع يقلل كثيرًا من الحشو، ويركن إلى الاقتصاد في اللغة مع الحرص على توسيع المعنى.
وأراها كالرصاصة؛ قوية، ثاقبة، ومؤثرة. فكل كلمة فيها ينبغي أن تؤدي دورًا، وكل حذف قد يخل بإيقاعها أو دلالتها.
لكن، رغم كل هذا التغير، فإن الأدب الحقيقي لم يتغير في جوهره؛ لأن الإنسان لم يتغير في أسئلته الكبرى.
ما زال يخاف من الفقد، ويبحث عن الحب، ويقاوم الوحدة، ويسأل عن معنى وجوده، ويتألم من الرحيل، ويحن إلى مكان تركه خلفه.
قد تتغير شاشة القراءة، وقد تتبدل أدوات النشر، لكن القلب الذي يقرأ ما زال هو القلب نفسه.

11- عندما تحاور كاتبًا أو تلتقي به، هل تبحث عن إجابة يعرفها عن نفسه، أم عن سؤال يجعله يكتشف شيئًا لم ينتبه إليه في تجربته؟

أميل إلى السؤال الذي لا يكتفي بإخراج إجابة محفوظة.

الحوار الحقيقي، في رأيي، ليس امتحانًا للكاتب، وإنما رحلة اكتشاف مشتركة. وقد يكون أجمل سؤال هو الذي يجعل الكاتب يتوقف لحظة قبل أن يجيب؛ لأنه يكتشف أن السؤال فتح في ذاكرته بابًا لم يكن قد انتبه إليه.
أنا لا أبحث عن إجابة أعرفها مسبقًا، بل عن منطقة لم يصل إليها الحوار بعد.
فإذا انتهى اللقاء وقد قال الكاتب شيئًا لم يكن ينوي قوله قبل أن نجلس، أشعر أن الحوار نجح. وإذا خرجت أنا أيضًا باكتشاف جديد، فذلك أفضل ما يمكن أن تمنحه الصحافة الثقافية.
فالأسئلة الجميلة لا تستخرج الإجابات فقط؛ إنها أحيانًا تصنع الوعي بها.

12- لو عادت إليك الباحة اليوم بكل تفاصيلها القديمة، وأعطتك فرصة أن تختار منها مشهدًا واحدًا فقط ليبقى في كتاب؛ أي مشهد ستختار، ولماذا؟

سأختار مشهدًا من سوق رغدان في يوم عادي، لا يوم احتفال ولا مناسبة كبيرة.

سأختار السوق وهو يستيقظ: أصوات الباعة، خطوات الناس، روائح الريحان والكادي، الوجوه التي تعرف بعضها، والعابرون الذين لم يكونوا يعرفون أنهم يصنعون، في تلك اللحظة العابرة، تاريخًا سيشتاق إليه من يأتي بعدهم.
سأستعيد السوقين الأعلى والأسفل، وحوانيته، ومنارة المسجد العالية، والمنازل الحجرية التي كانت تحتضنه، وأولئك الناس الذين كانوا يمنحون المكان روحه دون أن يعرفوا أنهم يفعلون.
سأختار ذلك المشهد لأنني أؤمن أن الزمن لا يعلن لحظة رحيله. نحن لا نعرف أننا نعيش اللحظة الأخيرة من شيء إلا بعد أن تصبح ذكرى.
ولو استطعت أن أضع مشهدًا واحدًا من رغدان في كتاب، فلن أضع بناءً ولا حجرًا، بل سأضع الناس وهم يعيشون حياتهم ببساطتها؛ تلك البساطة التي لم يكونوا يعرفون أنها ستصبح يومًا ذاكرة.
فالمكان، في النهاية، لا يبقى بما تركته الجغرافيا منه، وإنما بما تركه الإنسان في أرواحنا حين مرّ به.
وربما لهذا ظلّت رغدان تسكنني؛ لأنني لم أفقد مكانًا فقط، بل فقدت زمنًا كاملًا، وما أكتبه عنه ليس محاولة لاستعادته كما كان، وإنما محاولة لأن أمنحه حياة أخرى في اللغة.