حوار ـ عجاب الحنتوشي
في القطاع غير الربحي، لا تُقاس التجربة بعدد البرامج والمبادرات وحدها، ولا تختصر قيمة المسؤول في الأرقام التي تُعلن في نهاية العام. خلف كل رقم إنسان، وخلف كل مبادرة قصة، وخلف كل قرار مسؤول يوازن بين احتياج المستفيد، وقدرة الجمعية، واستدامة العمل، وثقة الشركاء.
ومن هذا المنطلق، يأتي هذا الحوار مع مشبب بن محمد القحطاني، الرئيس التنفيذي لجمعية الأسر الاقتصادية «أُسر»، في محاولة للاقتراب من الإنسان خلف التجربة، واستكشاف ما الذي تعلمه خلال رحلته في القطاع غير الربحي، وكيف تحولت نظرته من تقديم الخدمة إلى صناعة الأثر.
حوار لا يبحث عن الأرقام بقدر ما يبحث عما وراءها، ولا يتوقف عند ما تحقق، بل يسأل: كيف يفكر من يقود العمل غير الربحي؟ ومتى يشعر أن ما يفعله يستحق كل هذا العناء؟
• بداية الرحلة.. لماذا القطاع غير الربحي؟
سؤال: كيف بدأت علاقتك بالقطاع غير الربحي؟ وهل كان دخولك إليه قرارًا مهنيًا أم رسالة آمنت بها مع الوقت؟
مشبب القحطاني:
أعتقد أن الإنسان لا يدخل القطاع غير الربحي بالطريقة نفسها التي يدخل بها أي مجال آخر. قد تبدأ المسألة من فرصة مهنية، لكن استمرارك فيه مرتبط بمدى إيمانك بما تقدمه.
مع الوقت، اكتشفت أن العمل هنا مختلف؛ لأن نتائج قرارك لا تظهر فقط في تقرير أو مؤشر، وإنما قد تراها في إنسان تغيرت حياته، أو أسرة استطاعت أن تعتمد على نفسها، أو شاب وجد فرصة لم تكن متاحة له.
وهنا تتحول الوظيفة من أداء مهام إلى مسؤولية، ويصبح السؤال اليومي ليس: ماذا أنجزنا؟ وإنما: ماذا غيّرنا؟
• أول درس إداري
سؤال: ما أول درس تعلمته عندما اقتربت أكثر من تفاصيل العمل غير الربحي؟
مشبب القحطاني:
تعلمت أن حسن النية وحده لا يكفي.
القطاع غير الربحي يحتاج إلى نية صادقة، لكنه يحتاج معها إلى إدارة محترفة، وتخطيط، وقياس للأثر، وحوكمة، وشراكات، واستدامة مالية.
قد تكون لديك فكرة عظيمة، لكن إذا لم تكن قادرًا على تنفيذها بالشكل الصحيح، فإنها ستبقى مجرد فكرة جميلة.
وأحيانًا يكون القرار الأصعب هو أن تقول: «لا نستطيع الآن»، لأن قبول كل الطلبات دون قدرة حقيقية على الاستمرار قد يضر بالمستفيد والجمعية معًا.
• من المساعدة إلى التمكين
سؤال: هل ترى أن مفهوم العمل الخيري التقليدي لم يعد كافيًا أمام التحول الكبير الذي يشهده القطاع غير الربحي في المملكة؟
مشبب القحطاني:
المساعدة ستظل موجودة، وستظل الحاجة إليها قائمة، لكننا أمام مرحلة أكبر من مجرد تقديم المساعدة.
اليوم نحن نتحدث عن التمكين؛ أي أن نساعد الإنسان على امتلاك الأدوات التي تجعله قادرًا على بناء مستقبله.
الفرق كبير بين أن أعطي الأسرة احتياجًا ينتهي أثره بانتهاء المساعدة، وبين أن أساعدها على امتلاك مهارة أو مشروع أو فرصة تسويقية أو مصدر دخل مستدام.
الهدف في النهاية ألا يبقى المستفيد مستفيدًا إلى الأبد، بل أن ينتقل من دائرة الاحتياج إلى دائرة الإنتاج، ثم يصبح قادرًا على صناعة قيمة له ولأسرته ومجتمعه.
• ماذا يعني التمكين بالنسبة لك؟
سؤال: كثيرًا ما نسمع كلمة «تمكين»، لكنها أحيانًا تتحول إلى شعار. كيف تعرف أنك فعلاً مكّنت الإنسان؟
مشبب القحطاني:
التمكين الحقيقي يبدأ عندما تقل حاجة الإنسان إلى الاعتماد على الآخرين.
إذا اكتسب مهارة، أو حصل على فرصة عمل، أو بدأ مشروعًا، أو استطاع تسويق منتجه، أو أصبح لديه دخل أكثر استقرارًا؛ هنا يمكن أن نقول إننا اقتربنا من التمكين الحقيقي.
لكن الأهم من ذلك أن يشعر الإنسان بأنه قادر.
هذه النقطة قد لا تظهر في الأرقام بسهولة، لكنها في رأيي من أهم نتائج العمل غير الربحي.
• خلف الأرقام.. حكايات إنسانية
سؤال: عندما تعلن الجمعية عن أعداد المستفيدين والبرامج والمبادرات، هل تتوقفون أحيانًا عند القصص التي تقف خلف هذه الأرقام؟
مشبب القحطاني:
بالتأكيد، بل أحيانًا تكون القصة أهم من الرقم.
وراء كل مستفيد ظروف وتحديات وطموحات. وقد يكون الرقم في التقرير سطرًا واحدًا، لكنه بالنسبة إلى أسرة كاملة قد يمثل بداية مختلفة لحياتها.
ولهذا يجب ألا نتعامل مع المستفيد باعتباره رقمًا في قاعدة بيانات.
نحن نتعامل مع إنسان لديه كرامته وطموحه وقدرته، ودور الجمعية هو أن تفتح أمامه الطريق، لا أن تتخذ عنه كل قراراته.
• أصعب ما في كرسي الرئيس التنفيذي
سؤال: ما أصعب ما يواجهه الرئيس التنفيذي في جمعية غير ربحية؟
مشبب القحطاني:
التوازن.
توازن بين احتياجات المستفيدين، وإمكانات الجمعية، وتوقعات مجلس الإدارة، ومتطلبات الشركاء، والموارد المتاحة، وفي الوقت نفسه المحافظة على جودة العمل واستدامته.
أحيانًا تكون لديك احتياجات أكبر من الموارد، وهنا تظهر حقيقة الإدارة.
ليس المطلوب أن نعد الجميع بكل شيء، وإنما أن نعرف أين نضع مواردنا، وما الذي يحقق أكبر أثر، وكيف نبني شراكات تساعدنا على توسيع دائرة الأثر.
• هل يختلف القائد في القطاع غير الربحي؟
سؤال: من واقع تجربتك، ما الفرق بين القيادة في القطاع التجاري والقيادة في القطاع غير الربحي؟
مشبب القحطاني:
هناك نقاط مشتركة كثيرة في الإدارة، لكن الاختلاف الأساسي في طبيعة الهدف.
في القطاع التجاري هناك منتج وسوق وربحية، بينما في القطاع غير الربحي هناك أثر اجتماعي يجب أن يتحقق، وفي الوقت نفسه يجب أن تحافظ الجمعية على استدامتها وقدرتها على الاستمرار.
لذلك لا يكفي أن تكون مديرًا جيدًا؛ يجب أن تكون قادرًا على بناء الثقة مع المستفيد، والشريك، والمانح، والمتطوع، ومجلس الإدارة، وفريق العمل.
والأهم أن تجعل الجميع يشعر أن ما يقومون به جزء من هدف أكبر.
• عندما يكون القرار بين «الممكن» و«المأمول»
سؤال: هل مررت بقرارات شعرت فيها أن ما يتمناه المستفيد أكبر من قدرة الجمعية؟
مشبب القحطاني:
هذا يحدث بالتأكيد، وهو من أصعب المواقف.
لكن المسؤولية تفرض عليك أن تكون واقعيًا وصادقًا. لا أريد أن أرفع سقف التوقعات لدى المستفيد ثم أعجز عن الوفاء بها.
وفي المقابل، لا أريد أن يكون محدود الموارد سببًا لإغلاق باب الأمل.
لذلك نبحث دائمًا عن البدائل: شريك، مبادرة، فرصة، تدريب، تمويل، تسويق أو جهة يمكن أن تساعد في استكمال الحل.
العمل غير الربحي لا يُبنى على قدرة جهة واحدة، وإنما على منظومة متكاملة من التعاون.
• الشراكات.. هل هي تمويل فقط؟
سؤال: كيف تنظر إلى الشراكات بين الجمعيات والقطاع الخاص؟
مشبب القحطاني:
الشراكة الحقيقية أكبر بكثير من التمويل.
أحيانًا تكون قيمة الشريك في خبرته، أو شبكته، أو قدرته على الوصول إلى الأسواق، أو التقنية التي يمتلكها، أو الفرص التي يستطيع توفيرها للمستفيدين.
وأعتقد أن المرحلة القادمة تحتاج إلى شراكات مبنية على سؤال واضح: ماذا سنصنع معًا؟
وليس فقط: كم سيدفع هذا الشريك؟
عندما تتفق الجمعية والقطاع الخاص على هدف مشترك، تصبح الشراكة أكثر استدامة وأعمق أثرًا.
يتبع …..