النهار

٠٣ مايو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٣ مايو-٢٠٢٦       3080

بقلم - سعود محمد حمد الناصر

قال لي أحد الأصدقاء المقربين، وهو رجل أعمال أنعم الله عليه:

مررتُ بمرحلةٍ شعرتُ فيها بالملل رغم كثرة الأعمال والإنجازات، فقررت السفر بحثًا عن الراحة. كانت وجهتي إلى إحدى الدول العربية لوجود صديقٍ هناك، وقد حرص على أن يحجز لي في أحد أفخم المنتجعات.

لكن… لم يتغيّر شيء.
بقي الشعور كما هو.

وفي محاولةٍ للهروب من هذا الثقل، قررتُ أن أخرج من ذلك العالم المترف، فاتجهتُ إلى أحد الأحياء الشعبية. وبين الأزقة الضيقة، لفت نظري رجلٌ في العقد الخامس، يحمل على ظهره حملاً ثقيلًا، يعمل حمالًا… لكنه كان مبتسمًا، يلهج لسانه بالتسبيح وتلاوة القرآن.

اقتربتُ منه، سلّمتُ عليه، فردّ بابتسامةٍ صادقة. جلس ليستريح، فاستأذنتُ بالجلوس بجانبه، فرحّب بي بكل بساطة. تبادلنا أطراف الحديث، ولم تفارق الابتسامة وجهه، رغم بساطة حاله.

دعاني إلى شرب الشاي في منزله القريب، فقبلت الدعوة. كان البيت صغيرًا، بسيطًا، يضم زوجته وثلاث بنات… لكنه كان مليئًا بالرضا.

بعد أن جلسنا، حاولتُ أن أقدّم له مبلغًا من المال، فرفض بلطف، وقال:
“ألم تسمع قول النبي ﷺ: من بات آمنًا في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه وليلته، فكأنما حيزت له الدنيا؟ الحمد لله… هناك من هو أحوج مني.”

ثم اصطحبني إلى مكانٍ قريب، حيث تعيش بعض الأسر المحتاجة، ونادى إحداهن، وطلب منها أن تجمع من تعرف من النساء المحتاجات.

التفت إليّ وقال:
“إن أردتَ أن تعطي… فهنا مكانها.”

اجتمعن، فبادرتُ بإخراج المال، وقام هو بتوزيعه عليهن، ثم قال لهن:
“ادعوا لهذا الرجل.”

وقفتُ مذهولًا… من عظمة هذا المشهد.

ثم نظر إليّ وقال بهدوء:
“أراك مهمومًا… ما بك؟”
فقلت: هموم الدنيا.

فابتسم وقال:
“الدنيا نعمة، نعبد الله فيها… وهي طريقنا إلى الجنة.”

ثم أخرج مصحفًا قديمًا من جيبه، وقال:
“هنا السعادة… لا تتركه، وحافظ على صلاتك.”

كانت كلمات بسيطة… لكنها غيّرت شيئًا عميقًا في داخلي.

يقول صديقي:
منذ ذلك اليوم، أصبح ذلك الرجل صديقًا، وأصبح القرآن رفيقًا، وزال عني ما كنت أجده من ضيقٍ وهمّ.

اختصرتُ رحلتي، وعدتُ إلى بلدي… لكنني لم أعد كما كنت.
عدتُ وأنا أحمل معنىً جديدًا للحياة.
الحمد لله رب العالمين..