النهار

٠٣ مايو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٣ مايو-٢٠٢٦       3520

بقلم-عبدالمحسن محمد الحارثي

ليست المشكلة في أن يعتزّ الإنسان بأصله، فذلك شعورٌ فطريّ لا يُلام عليه، وإنما الإشكال حين يتحوّل هذا الاعتزاز إلى سلطةٍ أخلاقيةٍ زائفة، يمنح بها نفسه حقّ التعالي، وكأن النسب إنجازٌ شخصي. 

والحقيقة التي لا تُجامل أحدًا ؛ أن الإنسان وُلد في ظرفٍ لم يختره، ولم يكتب اسمه في سجلّ القبيلة بيده، وإنما أُلقي به في سياقٍ جاهز، ثم طُلب منه أن يثبت قيمته بنفسه؛ وهنا يختصر علي بن أبي طالب المسافة بقوله: «قيمةُ كلِّ امرئٍ ما يُحسنه» فالقيمة فعلٌ يُنجَز، لا لقبٌ يُورَث.
ومن يتكئ على نسبٍ لم يصنعه ؛ كمن يتدفأ بنارٍ لم يشعلها ، قد ينتفع بحرارتها، لكنه لا يملك شرارتها.

ومن يتأمل التاريخ بعينٍ ناقدة ، لا بعينٍ مبهورة ؛ يدرك أن كثيرًا مما يُتداول بوصفه “مجدًا” لم يكن سوى صراعٍ بشريٍّ عارٍ من القيم ، دماءٌ أُهدرت، وحقوقٌ سُلبت، وخصوماتٌ اشتعلت لأسبابٍ لو عُرضت اليوم لاستحيا أصحابها منها. 

وليس في ذلك انتقاصٌ من الأجداد، بل إنصافٌ للحقيقة؛ فالتاريخ – كما يرى ابن خلدون – نظرٌ وتحقيق، لا تمجيدٌ أعمى.
لم تعد الشجاعة أن تغلب غيرك… بل أن تغلب نفسك، ولم يعد المجد أن تنتصر لقبيلتك… بل أن تنتصر للعدل.
وما لا يصلح أن يكون خُلُقًا اليوم ؛ لا يجوز أن يبقى مفخرة الأمس.

وعندما انتقل الإنسان من ضيق العصبية إلى سعة الدولة ؛ لم يكن ذلك ترفًا فكريًا، بل ضرورة حضارية؛ فالدولة الحديثة لا تُدار بالأنساب، بل بالعقود الجامعة. 
وما صنعه الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود  ؛ لم يكن توحيد أرضٍ فحسب، بل توحيد وعيٍ انتقل بالناس من “أنا وقبيلتي” إلى “نحن ووطننا”.
وهنا تتجلّى الفكرة التي لخّصها مصطفى محمود: «الوطن ليس مكانًا نعيش فيه، بل كيانًا يعيش فينا» فإذا استقر هذا الكيان في الضمير ؛ تهاوت كل الفوارق المصطنعة، وصار التفاضل بقدر العطاء لا بقدر الادعاء.
الدولة التي تُساوي بين أبنائها تُربّيهم على العدل، والقبيلة التي تُفاضل بينهم تُربّيهم على التحيّز.

ومع ذلك ؛ لا يُطلب من الإنسان أن يتنكر لأصله، بل أن يضعه في موضعه الصحيح؛ أن يكون الجذر لا السقف، وأن يكون مصدر إلهام لا أداة إقصاء. 
فالفخر المشروع ؛ هو الذي يدفعك للأمام، لا الذي يرفعك على أكتاف الآخرين. 

وقد وضع عمر بن الخطاب  -رضي الله عنه - الميزان بقوله: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا»؛ فلا كرامة تُبنى على امتهان، ولا رفعة تُشيَّد على تحقير.
إن الذي يرفع نفسه بخفض غيره ؛ كمن يقف على رمالٍ متحركة؛ كلما ظنّ أنه ارتفع ؛ ازداد غرقًا.

وفي زمنٍ تتسارع فيه التحولات ؛ لم يعد الانتماء سؤال “من أنت؟” بقدر ما أصبح “ماذا قدّمت؟”. 
فالمجتمعات لا تقيس أبناءها بأسمائهم، بل بأثرهم؛ بالعلم الذي يُنتج، والعمل الذي يُتقن، والقيمة التي تُضاف. 
وهنا يتجلّى الفارق بين من يعيش على هامش التاريخ متغنيًا بأمجاده، ومن يكتب اسمه في متنه بعمله. 
وكأن صدى أحمد شوقي يتردد: «وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت»… فالأخلاق إنتاج يومي، لا مخزون وراثي.
لا أحد يسألك اليوم: من كان جدّك؟ بل: ماذا ستكون أنت؟

ومن هذا المنطلق ؛ يأتي موقف وزارة الداخلية السعودية في تجريم النعرات القبلية والطعن في الأنساب، بوصفه حمايةً للنسيج الاجتماعي، لا تقييدًا للرأي؛ لأن الكلمة حين تُشعل عصبية قد تُطفئ وطنًا، وحين تُهين إنسانًا قد تُضعف مجتمعًا بأكمله.
القانون هنا لا يكمّم الأفواه ، بل يمنع أن تتحول الكلمات إلى شروخٍ في جدار الوحدة.

وفي المحصلة ؛ لسنا أمام دعوةٍ لإلغاء الانتماء، بل لإعادة تعريفه؛ أن يكون الوطن إطارًا جامعًا، والقبيلة بُعدًا ثقافيًا، والإنسان قيمةً مستقلة لا تُختزل.
فحين ينتصر الوعي على العصبية ؛ ندرك أن أعظم نسبٍ يمكن أن نحمله هو أن نكون جديرين بهذا الوطن " المملكة العربية السعودية". 
وأن أشرف إرثٍ نتركه ليس اسمًا نردده، بل أثرًا يُحكى.