النهار

٠٣ مايو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٣ مايو-٢٠٢٦       2860

بقلم- عجاب الحنتوشي 
عندما يتحوّل الصديق المقرّب إلى شخص يتقن “التصريف”، فالأمر لا يكون عابرًا كما يبدو في ظاهره.

خلف الاعتذارات المتكررة، وتأجيل اللقاءات، والردود الباردة، غالبًا ما تختبئ طبقات من التعب، أو الضيق، أو حتى فقدان القدرة على المواجهة.

هنا تحديدًا، لا يكون دورك كصديق أن تراقب من بعيد أو تفسّر السلوك بسوء نية، بل أن تتحمّل مسؤولية أعمق: أن تفتح له الباب.

فتح الباب لا يعني التطفل، ولا الإلحاح المزعج، بل هو موقف إنساني ناضج.

أن تقول له بطريقة غير مباشرة: “أنا هنا، حتى لو لم تكن مستعدًا للكلام الآن”.

فبعض الناس حين يثقل عليهم العالم، لا يطلبون المساعدة لأنهم لا يعرفون كيف، أو لأنهم يخشون أن يُفهم ضعفهم بشكل خاطئ.

فيلجؤون إلى التصريف كآلية دفاع، لا كنوع من الإهمال.

الصداقة الحقيقية تُختبر في هذه اللحظات تحديدًا.

حين يكون الطرف الآخر غير قادر على أن يكون كما عهدته،

هل تبقى أنت كما أنت؟ أم تنسحب بنفس السرعة التي انسحب بها؟
الفرق بين علاقة عابرة وصداقة عميقة هو أن الأولى تعتمد على الراحة المتبادلة، بينما الثانية تتحمّل اختلال التوازن مؤقتًا.

أن تفتح له الباب يعني أن تبادر:
ترسل رسالة بلا مناسبة، تتفقده دون سؤال مباشر يضغطه، تعرض وجودك دون شروط.

وربما الأهم، أن لا تُحمّله شعور الذنب لأنه “اختفى”.

فالشخص المثقل لا يحتاج مزيدًا من اللوم، بل مساحة آمنة يعود إليها دون محاسبة.

لكن في المقابل، هناك وعي يجب ألا يغيب.

فتح الباب لا يعني أن تُهدر كرامتك أو تستنزف نفسك بلا حدود.

الصداقة ليست تضحية أحادية دائمة، بل موقف متوازن.

أنت تفتح الباب، نعم، لكنك لا تجبر أحدًا على الدخول.

تبقى حاضرًا، لكنك لا تلغي نفسك.

وفي أحيان كثيرة، يكون مجرد معرفته أن هناك من لم يغلق الباب في وجهه، كافيًا ليعود.

ليس فورًا، وليس بنفس النسخة السابقة، لكن يعود وهو يحمل تقديرًا عميقًا لهذا الثبات.

في النهاية، العلاقات لا تُقاس بعدد اللقاءات، بل بقدرتها على الصمود في فترات الفتور.

وعندما يختار أحدهم “التصريف”، قد يكون في الحقيقة يصرخ بصمت: “لا أستطيع الآن”.
وهنا يأتي دورك… أن تفهم ما لم يُقال، وأن تترك الباب مفتوحًا، دون أن تفقد نفسك خلفه.