النهار
بقلم ـ د. علي بن عالي السعدوني
حين يتحرّك المسؤول في فضاء المشاريع لا بوصفه متابعًا من بعيد، بل حاضرًا في قلب التفاصيل، فإن الزيارة تتحوّل من إجراءٍ إداري إلى خطابٍ عمليّ يختصر فلسفة القيادة في الميدان، وهذا ما تجلّى بوضوح في جولة الأمير راكان بن سلمان على مشاريع هيئة تطوير بوابة الدرعية وزيارته لمقر شركة الدرعية، حيث بدت الخطوات وكأنها قراءةٌ حية لمشروع وطني لا يُدار من خلف المكاتب، بل يُصاغ في تماسٍ مباشر مع الأرض، ومع ما يُبنى عليها من طموحٍ يتجاوز حدود اللحظة إلى أفق الرؤية.
في تلك الجولة، لم يكن الحضور مجرد تفقدٍ إنشائيٍّ للمواقع، بل كان تأكيدًا ضمنيًا على أن المشاريع الكبرى لا تنجح بوفرة المواردوحدها، بل بصرامة المتابعة، ودقة الإشراف، واستمرارية التوجيه، وهي معانٍ تتبدّى حين يصرّ المسؤول على أن يرى بعينه ما يُنجز، لا أن يكتفي بما يُرفع إليه من تقارير؛ لأن الفارق بين الورق والميدان هو الفارق بين التصوّر والتحقق، وبين الوعد والإنجاز.
وإذا كانت الدرعية، بوصفها مهد الدولة السعودية الأولى، تحمل في ذاكرتها ثقل التاريخ، فإن العمل الجاري فيها اليوم يعيد تشكيل هذا الثقل في صورةٍ معاصرة، لا تكتفي بحفظ الإرث، بل تعيد إنتاجه ضمن سياقٍ حضاريّ يجعل من الدرعية نقطة التقاءٍ بين الماضي بوصفه أصلًا، والمستقبل بوصفه امتدادًا، وهو ما يجعل العناية بهذه المشاريع عنايةً بهويةٍ وطنية تُعاد صياغتها بلغة العصر، لا مجرد عنايةٍ بمواقع أثرية تُصان.
وفي هذا تكتسب زيارة الأمير راكان بن سلمان دلالتها الأعمق، إذ تكشف عن نمطٍ قياديّ يرى في المتابعة الميدانية أداةً لضبط الإيقاع التنموي، وضمان انسجام مكوّنات المشروع مع الغاية الكبرى التي تتجاوز حدود الجغرافيا إلى صناعة صورة المملكة في الوعي العالمي، فحين تُدار الدرعية بهذا النفس، فإنها لا تُقدَّم للعالم بوصفها موقعًا سياحيًا فحسب، بل بوصفها نصًا حضاريًا مفتوحًا يُقرأ فيه تاريخ الدولة، وتُستشرف عبره ملامح مستقبلها.
إن ما يجري في الدرعية اليوم ليس مجرد تطويرٍ عمرانيّ، بل هو بناءٌ متكامل لخطابٍ ثقافيّ واقتصاديّ، تتداخل فيه السياحة بالتراث، والاستثمار بالهوية، والرؤية بالفعل، وهو ما يجعل من هذه المشاريع شاهدًا على قدرة المملكة على تحويل تاريخها إلى قوةٍ ناعمة، وعلى صياغة نموذجٍ تنمويٍّ يوازن بين الأصالة والتجديد دون أن يُضحّي بأحدهما لصالح الآخر.
وفي هذا السياق، تبدو جولات المتابعة التي يقوم بها الأمير راكان بن سلمان امتدادًا لروحٍ قياديةٍ لا تكتفي بوضع الأهداف، بل تلاحق تحققها، ولا تكتفي بالإعلان عن الطموحات، بل تعمل على تثبيتها واقعًا يُرى، وهو ما يمنح هذه المشاريع مصداقيتها، ويجعل من مسيرتها قصة نجاحٍ تُكتب في تفاصيل العمل اليومي، لا في عناوين الاحتفاء وحدها.