النهار

٢٥ مايو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٥ مايو-٢٠٢٦       4675

بقلم- عبدالمحسن محمد الحارثي

حين يدفع الإنسان ثمن الطمأنينة، ثم يجد نفسه أمام مزيدٍ من القلق والتعقيد؛ فثمة خلل يستحق المراجعة.

وهذا ما يشعر به كثيرٌ من الناس اليوم تجاه تأمين المركبات، الذي لم يعد مجرد إجراء نظامي عابر، بل ضرورة مجتمعية واقتصادية تحفظ الحقوق، وتخفف آثار الحوادث، وتمنع تحوّل الخطأ المروري إلى أزمة مالية أو نزاع طويل.

غير أن هذه الضرورة بدأت تفقد شيئًا من عدالتها، حين تحوّل التأمين – لدى شريحة واسعة – إلى هاجس سنوي مفتوح على الزيادات، والغموض، وضعف الشفافية..يقول الفيلسوف الإنجليزي جون لوك:
"غاية القانون حماية الناس لا إرهاقهم".

وهذا المعنى ينطبق تمامًا على قطاع التأمين؛ فالغرض منه الحماية والطمأنينة، لا إدخال المؤمن في دوامة من الإجراءات المرهقة والتفسيرات المبهمة.

من الطبيعي أن ترتفع قيمة التأمين على من تتكرر حوادثه؛ لأن كثرة المطالبات ترفع مستوى المخاطر .. لكن غير المقبول أن يُعامل صاحب السجل النظيف المعاملة ذاتها، فتزداد عليه الرسوم رغم خلو ملفه من الحوادث والمطالبات.
فالعدالة التأمينية لا تقوم فقط على معاقبة المخطئ، بل على مكافأة الملتزم أيضًا..ويقول أرسطو:"العدل ليس مساواة بين المختلفين، بل إنصاف كل ذي حق بحقّه".

ومن أكثر ما يثير الاستغراب؛ غياب الوضوح الحقيقي في آليات التسعير، فالمؤمن يدفع مبالغ متفاوتة دون أن يعرف بدقة أسباب تلك الزيادات أو المعايير التي بُنيت عليها.
وهنا تتأكد الحاجة إلى رقابة أشد، وإلزام شركات التأمين بإيضاح تفاصيل التسعير، حتى لا يتحول السوق إلى مساحة اجتهادات غير مفهومة للمستهلك.

أما قضية استرجاع مبلغ التأمين عند الإلغاء، فهي من أكثر النقاط التي يشعر معها الناس بالإجحاف؛ إذ يُفاجأ البعض بأن المسترد نسبة محدودة قد لا تتجاوز 25٪ رغم قِصر مدة الاستفادة من الوثيقة.

وهذا يفتح باب التساؤل المشروع حول عدالة آلية الاسترداد، ومدى توافقها مع مبدأ التناسب بين الخدمة المستهلكة والمبلغ المحتجز.

ويزداد الجدل عند ما يُعرف بـ«نسبة التحمل»، حيث يدفع المؤمن مبلغًا مرتفعًا للتأمين، ثم يكتشف أن الأضرار الأقل من حدٍّ معين لا تتحملها الشركة إطلاقًا.
وهذا خلل جوهري يحتاج إلى مراجعة؛ لأن المنطق التأميني يفترض المشاركة في تحمّل الضرر لا إسقاطه بالكامل..وإذا كان لا بد من وجود نسبة تحمل؛ فالأقرب للعدالة أن تُحتسب بنسبة وتناسب، لا بحرمان كامل للمؤمن من حقه.

كما أن ملف التقدير والإصلاح ما زال بحاجة إلى إعادة هيكلة أكثر كفاءة ومرونة، تقوم على تسريع الإجراءات، وتمكين المتضرر من التعويض النقدي المباشر “الكاش” متى رغب بذلك، بدل إدخاله في دوامة الورش والانتظار والخلافات الفنية الطويلة.

ومن النقاط التي تستحق التوقف أيضًا؛ أن بعض شركات التأمين عند اختيار المتضرر للتعويض النقدي المباشر ؛ تقوم بحسم ضريبة القيمة المضافة من مبلغ التعويض، وكأن المؤمن يُعاقَب ؛ لأنه اختار الحل الذي يناسبه.

وهذا الإجراء يفتح بابًا واسعًا للتساؤل؛ لأن المتضرر حين يختار التعويض النقدي ؛ فإنه لا يتنازل عن حقه، بل يمارس حقًا مشروعًا في اختيار الورشة المناسبة، والقطع التي يراها أصلح لمركبته، بعيدًا عن الاحتكار أو التقييد غير المباشر.

ويقول الاقتصادي آدم سميث:
"الحرية الاقتصادية الحقيقية تقوم على حرية الاختيار".فالمنطق العادل يقتضي أن يكون التعويض متكاملًا دون انتقاص بسبب طريقة الاستلام، خاصةً أن ضريبة القيمة المضافة ترتبط بالخدمة أو الشراء اللاحق، لا بحق المؤمن في الحصول على قيمة الضرر المقدّرة أصلًا.

كما أن هذا الحسم قد يدفع البعض اضطرارًا للقبول بورش أو قطع لا تناسبهم، فقط لتجنب فقدان جزء من مستحقاتهم المالية ؛ وهنا يتحول خيار “الكاش” من ميزة تنظيمية إلى وسيلة ضغط غير مباشرة على المستفيد.

ويقول الخبير الإداري بيتر دركر:
"ما لا يمكن قياسه ومحاسبته… لا يمكن تطويره".
ولهذا فإن ضبط مدد الإنجاز أمر أساسي في إصلاح القطاع. 
فمن غير المقبول أن يبقى المتضرر أسير المراجعات والأسابيع المفتوحة.
ومن هنا ؛ تبرز أهمية وضع غرامة جزائية واضحة على شركات التأمين عند التأخر في إنهاء التقدير واستكمال الإجراءات خلال مدة لا تتجاوز 72 ساعة – متى اكتملت الأوراق النظامية – مع منع أي التفاف إداري أو تقني على هذا السقف الزمني.

كما يجب أن تكون جميع الشروط والقرارات التأمينية منسجمة مع الجهات التنظيمية ذات العلاقة، بحيث لا يتحمل المؤمن وحده تبعات أي خلل تشريعي أو إجرائي..فالعدالة الحقيقية تعني أن يتحمل الجميع مسؤولية الخطأ بالتساوي، لا أن يُدفع المستفيد وحده إلى دهاليز الانتظار والتعطيل.

وفي النهاية؛ سيبقى التأمين ضرورة لا غنى عنها، لكن نجاحه الحقيقي لا يُقاس بحجم الأقساط المحصلة، بل بقدرته على تحقيق الطمأنينة، والإنصاف، وسرعة الإنجاز، ووضوح العلاقة بين الشركة والمؤمن.

فالناس لا يرفضون التأمين، بل يرفضون أن يتحول الأمان إلى عبء، والحماية إلى استنزاف.