النهار

٠٦ أغسطس-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٦ أغسطس-٢٠٢٦       4510

بقلم: د. نجوى الكحلوت
بالأمس عشنا تجربة فريدة بقيادة إثراء المعرفة، حيث سطع خلف تلك الأسوار أثرُ صاحباتِ همةٍ وغاياتٍ نبيلة .. كان المشهد مهيبًا .. لم تكن مسابقة ولا منافسة على جائزةٍ وطنيةٍ أو عالمية، كانت فرصة ذهبية لمراجعة المحفوظ من كتاب الله عز وجل .. كانت آيات القرآن تصدح في كل زوايا المكان .. دويٌ عذبٌ كدوي النحل.
هناك، لم يكن الصوتُ مجردَ سردٍ وتلاوة، كان حضورٌ يخترق الأرواح قبل أن يبلغ الآذان، وقبل أن تحتضنه الجدران. كانت الآيات تُستعاد بروح المقبل على كتاب الله، لا بروح المتسابق، وتُسرد بطمأنينة من يعرف أن القرآن ليس مادة اختبار، إنما هو دستور حياة. وفي ذلك المشهد، تلاشت الحدود بين الحافظة والمُسمِّعة، ليبقى القرآن وحده مركز الدائرة؛ يجمع القلوب، ويبارك في الأعمار والأوقات، ويرتقي بصاحبه إلى أعالي الدرجات. 
لقد بدت هذه التجربة وكأنها استحضارٌ لمعنى أصيل من معاني العناية بكتاب الله، حيث لا يُطلب الحفظ لذاته، بل ليكون سلّمًا للفهم، وبوابةً للعمل، ومصدرًا للسكينة. ومرتقى الروح والخُلق. وكان واضحًا أن ما جرى لم يكن وليد لحظة عابرة، بل ثمرة إعداد طويل، وعمل دؤوب، ورؤية واعية تُدرك أن خدمة القرآن تحتاج إلى ما هو أبعد من التنظيم، تحتاج إلى إتقان يليق بجلاله.
وفي هذا السياق، لا يسع القلم إلا أن يقف بإجلال أمام الجهود الكبيرة التي بذلتها الدكتورة نوال العيد، وفريق العمل، الذي قدّم نموذجًا يُحتذى في حسن الإعداد وجودة التنفيذ. لقد تجلّت عنايتهم الفائقة في كل التفاصيل، من دقة التخطيط إلى انسيابية التنظيم، ومن ضبط الجوانب التقنية إلى جماليات الإخراج الفني، في لوحة متكاملة تعكس احترافية عالية، وإحساسًا عميقًا بمقام الحدث.
وإذا كان هذا اليوم قد حمل في ظاهره مراجعة للمحفوظ، فإنه في جوهره كان مراجعة للعلاقة مع القرآن؛ كيف نقرأه، وكيف نصغي إليه، وكيف نعيده إلى مركز حياتنا. وهو ما يجعل من مثل هذه المبادرات علامة مضيئة في مسار العمل القرآني.
إن ما شهدناه بالأمس لهو شاهدٌ حيٌّ على عطاء وطنٍ ورعاية قيادتنا الرشيدة التي تفتح الآفاق وتذلل سبل العناية بالقرآن الكريم وخدمته بكل حب وإتقان، وطنٌ يثمر نماذج وضّاءة، تجمع بين العلم والعمل، وبين التخطيط والإحسان. في صورةٍ تُجسّد عمق الانتماء وسمو الرسالة.
وفي الختام، يبقى الأثر الأجمل هو ذلك السكون الذي يخلّفه القرآن في النفس، وذلك الامتداد الذي لا يُقاس بزمن فعالية، إنما بعمق ما يُحدثه في القلوب. فطوبى لمن كان القرآن رفيقه، وطوبى لمن سخّر جهده لخدمته، وطوبى لوطنٍ يحتضن هذه النماذج ويُبارك خطواتها.