النهار

٢٦ مايو-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٦ مايو-٢٠٢٦       2695

بقلم ـ جمعان الكرت

من خلال اللقاءات المتعددة التي أُجريت مع البروفيسور  معجب  سعيد الزهراني، تكشفت ملامح شخصية تنطوي على تجليات إنسانية وإبداعية وثقافية عميقة؛ شخصية ترى في الجمال رسالة، وفي التراث ذاكرة حيّة، وفي المعرفة جسراً للعبور نحو وعي أكثر اتساعًا.
ودائمًا ما يشير البروفيسور  معجب  إلى أهمية تكريس الاهتمام بالهوية الثقافية المحلية، من خلال الدور الذي يضطلع به الباحثون والحرفيون والمثقفون والمبدعون في إيقاظ الوعي، وتنمية مكوناته، والتشجيع على الحوار العميق مع تراثيات الجمال المتنوعة والخصيبة في قرى الباحة. وهي رسالة تؤكد ارتباطه الوثيق بتراثه؛ فهو مغموس فيه، بل مبتلٌّ به حتى النخاع، مؤمنٌ بأن التراث ليس ماضياً منتهيًا، بل روح ممتدة تحفظ للمكان هويته، وللإنسان جذوره.
والشاهد على ذلك تبنيه موسوعة شدا لتكون أحد المراجع العلمية المهمة التي توثق جماليات هذا الجبل وأسراره، وإنسانه، ونباتاته، وتشكيلاته الصخرية، بمشاركة نخبة من الأكاديميين والباحثين المختصين؛ في محاولة جادة لقراءة المكان بوصفه نصًا ثقافيًا مفتوحًا، تختلط فيه الجغرافيا بالذاكرة، والطبيعة بالحكاية.
ولم يقف اهتمام البروف  معجب  عند الجانب البحثي فحسب، بل امتد إلى رحلاته الميدانية التي تبدأ من مشارف بني عدوان ودوس زهران شمالا إلى تخوم غامد، مرورًا بالكثير من القرى التراثية حيث يرصد بعدسة كاميرته – التي اقتناها خصيصًا لالتقاط الجماليات العمرانية والنباتية في منطقة الباحة – تفاصيل الجمال الصامت، وكأنما يكتب بالصورة سيرةً أخرى للمكان.
ويرى البروف  معجب  أن المواطن سفيرٌ صادق ومخلص لوطنه، ومن هذا المنظور يؤمن بأن الصورة الجميلة والمعبرة قد تخدم أكثر من ألف كلمة؛ لذا قرر إقامة معرضه الخاص، فقام بمسح المنطقة واقتناص مواطن الجمال في الباحة، لا سيما الجوانب العمرانية التي تتميز بها المنازل والحصون القديمة. ومن خلال هذا العمل، يسعى إلى توثيق ما قد يصبح ذكرى في قادم الأيام، نتيجة إهمال بعض الأهالي لهذا التراث الجميل والقابل للاندثار، ما لم تكن هناك استراتيجية واضحة لحمايته وإعادة الاعتبار إليه.
وهنا ينبثق سؤال مهم: لماذا ينسلخ بعض أبناء الباحة عن جماليات العمران المحلي، باقتباس أشكال هندسية لا تمت إلى ثقافتهم البصرية بصلة؟ ولماذا لا يُستوحى تشييد المنازل الحديثة من الطرز المعمارية القديمة، لتضفي على المشهد البصري مساحة من الجمال والانسجام، وتحفظ للمكان خصوصيته؟
فالعمارة في الباحة – كما يقول المهندس سعيد الحسيل، رئيس بلدية بلجرشي سابقًا، ومؤلف كتاب « كنوز غامد وزهران العمرانية “ السمات المميزة والطابع التقليدي لمنطقة الباحة» – تميزت بالتناظر والتطابق والإيقاع؛ إذ لم تصل تلك المنازل إلى هذا المستوى بشكل عشوائي، بل جاءت نتيجة تراكم ثقافي طويل عبر الزمن. فقد اختار السكان الأحجار مادةً للبناء، وزيّنوا جوانبها بأحجار المرو البيضاء، ونقشوا أبوابها ونوافذها و«الوزفر» برسوم تنم عن ذائقة فنية وثقافية رفيعة، لملء الفراغ البصري بلمسات جمالية وأشكال هندسية مستوحاة من مخزونهم الثقافي والفني والاجتماعي، على هيئة مثلثات ودوائر وأوراق شجر وأزهار وغيرها، في تناغم بديع بين الإنسان وبيئته.
وأتفق مع ما ذهب إليه البروف  معجب  والمهندس سعيد الحسيل في أن القرى القديمة في الباحة كنزٌ يسير في طريق الاندثار؛ إذ استبدلها الإنسان بمبانٍ حديثة من قوالب الأسمنت، لا تتناغم مع البيئة الطبيعية، ولا تعكس روح المكان أو ذاكرته البصرية، وكأننا نفقد بالتدريج جزءًا من ملامحنا ونحن لا نشعر.
وتبقى أسئلة مهمة تفرض نفسها: هل يمكن للجهات المختصة – كالأمانة، والبلديات، والمكتب الاستراتيجي، والمجمعات القروية، والمكاتب الهندسية وغيرها – الاستفادة من مفردات جمال العمارة المحلية، ومن بينها فن النقوش والزخارف، لتملأ قرى وأحياء ومدن الباحة بهجةً بصرية وهويةً متفردة؟ أم أنها ستستمر في ذات النسق الذي يزيد من تنافر المشهد العمراني، حتى يصبح نشازًا يثقل العين بدل أن يبهجها؟
إن الجمال يختلف مقياسه من مجتمع إلى آخر، تبعًا للثقافات والعادات والتقاليد، ويمكن رؤيته في كل الموجودات من حولنا؛ فهو انعكاس نفسي ووجداني قبل كل شيء، وإحدى اللغات الصامتة التي تعبر عن رقي الإنسان ووعيه.
ولعل من أصدق المقولات التي تختصر تجربة  معجب  الزهراني ورؤيته للحياة والثقافة قوله:
«الإنسان يتأنسن بالفن، ويتعقلن بالمعرفة»