النهار

١٣ ابريل-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٣ ابريل-٢٠٢٦       8470

بقلم - علي بن عيضة المالكي
منذ لحظة سقوط النظام في العراق عقب الغزو الأمريكي عام 2003م، دخلت البلاد مرحلة مضطربة أعادت تشكيل ملامحها السياسية والاجتماعية على نحو قاسٍ.
الحقيقة لم يكن التغيير انتقالاً عاديًا للسلطة، إنما زلزالًا أطاح بمؤسسات الدولة وفتح أبواب الفوضى والتدخلات والصراعات التي امتدت آثارها إلى عمق المجتمع.
انهارت المنظومة الأمنية، وتفككت الهياكل الإدارية، وغاب التوازن الذي يحفظ استقرار الدول. في ذلك الفراغ، برزت قوى متعددة تتنازع التأثير، وتقدمت إيران بخطوات ثابتة نحو ترسيخ حضورها، مستفيدة من علاقات قديمة مع أطراف سياسية عراقية، ومن واقع داخلي يعاني التشتت والانقسام.
تشكلت مراكز قوة جديدة داخل المشهد، وظهرت تنظيمات مسلحة حملت رايات مختلفة، وكان من أبرزها الحشد الشعبي الذي نشأ في سياق مواجهة التنظيمات المتطرفة الأخرى، ثم تحول إلى لاعب مؤثر فيما بعد في المعادلة الأمنية والسياسية.

ومع الوقت، تداخلت الأدوار بين ما هو رسمي وما هو خارج ذلك، فتشابكت السلطة مع النفوذ، وأصبحت القرارات في كثير من الأحيان رهينة توازنات معقدة.
الاقتصاد لم يبتعد عن هذا الاضطراب، إذ تعمقت علاقات الاعتماد على الخارج، وتزايدت الروابط التجارية مع الجوار، ما جعل القرار الاقتصادي يتأثر بعوامل خارجية.

في موازاة ذلك، عانى المواطن العراقي من تراجع الخدمات، وغياب الاستقرار، وتكرار الأزمات التي أنهكت يومه وأضعفت ثقته بمستقبل وطنه.
داخل هذا المشهد، ارتفعت أصوات عراقية تطالب بالإصلاح واستعادة القرار الوطني، في محاولة لإعادة توجيه المسار نحو دولة قوية بمؤسساتها، قادرة على حماية سيادتها وبناء مستقبلها بعيدًا عن الهيمنة.
القضية في جوهرها تتجاوز وصف التبعية المباشرة، وتمتد إلى حالة من الضعف البنيوي الذي سمح بتمدّد النفوذ الخارجي داخل مفاصل الدولة.

حين تضعف الجدران، تتسلل الرياح من كل اتجاه، وحين يغيب المشروع الوطني الجامع، تتكاثر المشاريع الصغيرة التي تستهلك طاقة البلاد.

في سنوات الفوضى، ظهرت جماعات متطرفة كان أبرزها تنظيم داعش، وقد شكّل تهديدًا مباشرًا ليس للعراق فحسب، بل لدول المنطقة بأكملها.

هذا الخطر لم يكن نابعًا من الدولة العراقية نفسها، لقد نشأ من فراغ أمني استغلته تلك التنظيمات.
هذه الفوضى لم تجعل العراق خطرًا بذاته، لكنها جعلته ساحة تتقاطع فيها الأزمات، ومسرحًا تتحرك فيه قوى متعددة، فانعكس ذلك على محيطه.

بالتالي ضعف الداخل، واتسعت دوائر القلق خارجيًا، وأصبح الاستقرار مطلبًا إقليميًا قبل أن يكون شأنًا محليًا.
كما أن تصاعد نفوذ بعض الفصائل المسلحة، ومنها الحشد الشعبي، وتداخل أدوارها مع التأثيرات الإقليمية، خاصة من إيران، خلق حالة من القلق لدى بعض الدول المجاورة، خصوصًا حين يرتبط القرار الأمني بتوازنات تتجاوز حدود الدولة.
مع ذلك، من المهم التمييز بين الدولة العراقية والظروف التي مرت بها، لأن العراق في توقعي لا يسعى بطبيعته إلى تهديد محيطه غير أنه يعاني من آثار صراعات داخلية وتدخلات خارجية من إيران جعلت صورته تبدو مضطربة في بعض الفترات الماضية
الحقيقة الأعمق أن استقرار العراق يمثل عنصر أمان للمنطقة كلها، وأي ضعف داخلي فيه ينعكس على جواره.

لذلك، فإن دعم استقراره وتعزيز مؤسساته واستقلال قراره هو الطريق الذي يبدد المخاوف، ويعيد له دوره الطبيعي
آخر المطاف: ما أصاب العراق لم يكن موقفًا لحظيٍا، بيد أنه مر بسلسلة من التحولات العميقة التي غيّرت مساره، ووضعت مستقبله أمام تحديات قاسية.

ومع ذلك، يظل أمل النهوض قائمًا يتمثل هذا الأمل في قدرة شعبه على مواجهة التحديات والتغلب على الصعوبات، فحين تتوحد إرادته، ويتوحد القرار، ويبنى مشروع يعيد للدولة هيبتها وتغلق أبواب العبثية ويستعيد الوطن صوته من بين ركام الأزمات عندها نتأكد أن العراق عاد قويًا ومؤثرًا في مداره الإقليمي، وأصبح صوتًا مسموعًا في العالم بأكمله.