النهار

٠٩ ابريل-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٩ ابريل-٢٠٢٦       7205

بقلم- جمعان الكرت 

هل يلتفت الإعلام إلى الناس البسطاء من عامة الناس؟
كنتُ أتساءل كثيرًا: هل يجد هؤلاء البسطاء نصيبًا من اهتمام الإعلام بمختلف وسائله؟ فهم — على بساطة حياتهم — يستحقون أن تُعرَّف جهودهم وأن يُسلَّط الضوء على ما يقدمونه من أعمال نافعة للمجتمع، حتى وإن بدت في ظاهرها صغيرة، فهي في حقيقتها كبيرة الأثر وعميقة الدلالة.
فالفلاح الذي يكدح في مزرعته تحت حرارة الشمس، ويغرس الأرض بيديه ليقدم للناس أنواعًا من الحبوب والفواكه والخضار، أليس جديرًا بأن يُزار وتُروى قصته؟

أليس من حقه أن يشعر بأن جهده محل تقدير واحترام، وهو يؤدي خدمة اجتماعية جليلة تسهم في حياة الناس ومعيشتهم؟
وكذلك ذلك البائع الذي يمتلك دكانًا صغيرًا في أحد الأحياء أو القرى؛ يفتح بابه منذ الصباح الباكر، ويقنع بما قسمه الله له من رزق، ويقدم خدمة صادقة لأهالي الحي.

كم من بائع بسيط ارتبط وجدانيًا بأهل قريته، حتى صار دكانه الصغير جزءًا من ذاكرة المكان، يلجأ إليه الناس لقضاء حوائجهم اليومية دون أن يضطروا إلى الذهاب للأسواق الكبيرة.
ويمتد الحديث إلى الخياط الذي يقف ساعات طويلة أمام مكينته، يضبط خيوطها ويُحسن نسجها ليخرج بملابس جميلة، ومزركشة بلمسات تراثية.

وقد شاهدت في مدينة الباحة خياطًا من أبناء الوطن يقدم نماذج رائعة من الأزياء النسائية الجنوبية بأشكال جذابة تستلهم روح التراث.

أفلا يستحق مثل هذا الحرفي أن يُشجَّع، وأن يُعرَّف الناس بعمله، وأن يُدعم بالشراء منه وتقدير جهده؟
إن أصحاب المهن البسيطة — ممن ورثوا حرفهم أبًا عن جد — لا يمثلون مجرد عمال في مهن تقليدية، بل يحملون بين أيديهم إرثًا ثقافيًا واجتماعيًا عريقًا.

وهذه الحرف جزء من ذاكرة المجتمع وهويته، بل إنها سجل حيٌّ لعادات الناس وطرائق عيشهم عبر الزمن.
وقد خطت وزارة الثقافة خطوات مهمة في هذا الاتجاه من خلال الهيئات والمبادرات التي أنشأتها لدعم التراث والحرف، غير أن ذلك — على أهميته — لا يكفي وحده.

فالإعلام أيضًا معنيٌّ بأن يقترب من هؤلاء الناس، وأن يفتح لهم نوافذ الحضور والتعريف.
ومن حولنا نماذج كثيرة تستحق الالتفات؛ فهناك من يبدع في النقش على الخشب، يصنع لوحات فنية بديعة بأدوات بسيطة، لكنها تنطق بالجمال والمهارة.

وقد كان بعض أبناء القرى في منطقة الباحة يشتهرون بهذه الحرفة الراقية، ولا أدري كم بقي منهم اليوم ممن لا يزال يحتفظ بهذه المهارة.

ومن الواجب البحث عنهم، وتشجيعهم، وإتاحة الفرصة لهم لتدريب الشباب ونقل خبراتهم، مقابل أجر كريم يليق بعطائهم.
وكذلك البناؤون المهرة الذين أتقنوا فن البناء الحجري، وهو فن عريق ارتبط ببيوت الجبال ومدرجاتها الزراعية.

أعرف عددًا من شباب الباحة ما زالوا يمارسون هذا العمل بإتقان، سواء في ترميم المنازل القديمة، أو في بناء المدرجات الزراعية، أو في المشاركة في بعض الفعاليات والمهرجانات التراثية.
إن هؤلاء البسطاء — الفلاح، والبائع، والخياط، والحرفي، والبنّاء — هم في الحقيقة صُنّاع الحياة اليومية، وحراس الذاكرة الشعبية، وروح المكان التي تمنحه دفئه وملامحه الأصيلة.
ولهذا يعود السؤال مرة أخرى:
هل يلتفت الإعلام إلى هؤلاء الناس البسطاء من عامة المجتمع؟
إن الالتفات إليهم ليس مجرد خبر عابر أو تقرير صحفي بل هو وفاء لقيم العمل وتقدير لكرامة الإنسان وحفظ لجزء أصيل من ثقافة الوطن وروحه.