النهار السعودية

٠٧ ابريل-٢٠٢٦

الكاتب : النهار السعودية
التاريخ: ٠٧ ابريل-٢٠٢٦       23265

بقلم ـ عبدالمحسن محمد الحارثي 

ليست الحروب الكبرى مساراتٍ مستقيمة، بل كياناتٌ تتبدّل أهدافها بقدر ما يتحقق على الأرض، وبقدر ما تتضخم كلفتها..وكما قال القائد البروسي Carl von Clausewitz: «الحرب امتدادٌ للسياسة بوسائل أخرى»؛ غير أن هذه الحرب تكشف وجهاً أعمق: حين تتعثر السياسة، تتقدّم الحرب لتكتبها من جديد.

منذ اللحظة الأولى ؛ لم تكن الأهداف المعلنة – تفكيك البرنامج النووي وتعطيل القدرات الصاروخية – سوى سقفٍ أولي ؛ سرعان ما بدأ يتآكل تحت ضغط الميدان. 
فالحرب هنا ؛ لا تنفّذ خطة، بل تُنتج خططاً. 

وفي هذا المعنى ؛ تتجلّى حكمة Sun Tzu: «في قلب الفوضى تولد الفرص»؛ إذ يتحوّل الإنجاز التكتيكي إلى رافعةٍ استراتيجية، وتصبح الضربة باباً لما بعدها لا خاتمةً لما قبلها.

أما الخطاب السياسي، كما يتبدّى في تصريحات Donald Trump، فليس تناقضاً بقدر ما هو غموضٌ مُدار؛ تتداخل فيه نبرة التهديد مع الطمأنة، والتصعيد مع التلميح، في هندسةٍ نفسية تُربك الخصم وتستنزف يقينه..وهنا يحضر Niccolò Machiavelli بقوله: «على الحاكم أن يكون ثعلباً ليتحاشى الفخاخ، وأسدًا ليرهب الذئاب»؛ فالقوة بلا دهاء تُستنزف، والدهاء بلا قوةٍ يُحتقر.

وفي مأزق التفاوض، حيث يطلب الوسطاء زمناً محدداً لإنهاء الحرب، بينما ترفض واشنطن ذلك ؛ يتأكد أن الزمن ذاته صار أداة قتال..وكما قال Napoleon Bonaparte: «لا تُقاطع عدوك حين يرتكب خطأً»؛ فإطالة أمد الحرب ليست تردداً، بل استثمارٌ في استنزاف الخصم، وإتاحةٌ للميدان كي يفرض شروطه على الطاولة.

وفي قلب هذه المعادلة ؛ تقف إسرائيل بوصفها المستفيد الاستراتيجي الأبرز؛ إذ لا تكتفي بإضعاف خصمها، بل تعيد تعريف التهديد لمصلحتها، وترفع سقف أمنها عبر حربٍ تُخاض جزئياً عنها وتُحصد نتائجها بالكامل..ويصدق هنا المثل: «أربح الحروب ما حُقّق بأقل كلفة مباشرة».

غير أن القراءة الأعمق تكمن في “اقتصاد الحرب” ؛ حيث تتحول الكلفة إلى فرصة، والخسارة إلى مدخل نفوذ..فمن التحكم في الممرات الحيوية مثل Strait of Hormuz (مضيق هرمز)، إلى فرض ترتيبات تضمن سلامة الملاحة وسلاسل الإمداد ؛ تتجسد مقولة Francis Bacon: «المعرفة قوة»، لكن بصياغة العصر: ومن يملك الجغرافيا ؛ يملك القرار. 
وهنا لا تُستبعد أطروحات تتصل بتقاسم عوائد الطاقة، أو بناء قواعد متقدمة، تجعل القرب من مصدر التهديد وسيلةً للتحكم فيه.

أما الأهداف غير المعلنة ؛ فهي الأكثر رسوخاً: إضعاف بنية النظام، خلق بيئة داخلية قابلة للاهتزاز، وإعادة صياغة علاقته بجواره، بما يحدّ من قدرته على الفعل الإقليمي دون الاضطرار إلى إسقاطه مباشرة..وفي هذا السياق ؛ يبرز قول Winston Churchill: «لا تُهدر أزمةً سانحة»؛ فالأزمات، في منطق القوى الكبرى، لحظات لإعادة التشكيل لا مجرد أحداثٍ عابرة.

الخلاصة أن هذه الحرب لا تُخاض لتحقيق نصرٍ آني، بل لصناعة واقعٍ ممتد تُعاد فيه كتابة موازين القوة، وتُرسم فيه خرائط النفوذ..وكما يقول المثل: «من يكتب النهاية ؛ يملك الرواية». ومن هنا ؛ فإن نهاية الحرب لن تُقاس بوقف إطلاق النار، بل بمدى قدرة من يملك قرارها على تحويل الميدان إلى نظامٍ دائم، يجعل ما بعد الحرب أكثر مكسباً مما قبلها.