النهار السعودية

٠٧ ابريل-٢٠٢٦

الكاتب : النهار السعودية
التاريخ: ٠٧ ابريل-٢٠٢٦       12155

بقلم - د. علي بن عالي السعدوني

وصلني تقرير جمعية تراؤف لرعاية الأيتام في حفرالباطن في رسالةٍ عابرة، كغيره من الروابط التي تمرّ سريعًا في زحام اليوم، لكن شيئًا ما دفعني أن أتوقف عنده، لم أكن أتوقع أكثر من تصفحٍ سريع، غير أنني ما إن بدأت القراءة حتى وجدت نفسي أمام عملٍ لا يُمرّ عليه مرورًا، بل يُتأمّل؛ لأن الفارق بين تقريرٍ يُعرض، وتقريرٍ يُشعِر، هو الفارق بين أرقامٍ تُذكر، وأثرٍ يُرى.

ما شدّني أولًا ليس كثرة الإنجازات، بل طريقة حضورها. لم تكن الأرقام فيه متراكمة على نحوٍ جامد، بل جاءت وكأنها تحكي قصة؛ قصة جهدٍ لم يُبذل ليُعلن، بل ليُغيّر.

حين تقرأ عن آلاف المستفيدين، وعن مبادراتٍ تمتد في أكثر من مجال، فإنك لا ترى مجرد توسّع في العمل، بل ترى فهمًا عميقًا لمعنى الإنسان، وأن احتياجه لا يُختصر في جانب، ولا يُعالج بحلٍ واحد.

في جمعية تراؤف، تتضح ملامح تحوّل مهم: من فكرة الرعاية إلى منطق التمكين، وهذا التحول ليس شعارًا يُرفع، بل ممارسة تُبنى خطوةً خطوة، فحين تُعالج الجوانب التعليمية، ويُدعم المسار الصحي، ويُؤمَّن السكن، ويُعنى بالتأهيل المهاري، فإننا أمام رؤية لا تبحث عن سدّ الفراغ، بل عن صناعة الاستقرار. وهذا هو الفرق الجوهري بين عملٍ يهدّئ الحاجة، وعملٍ ينهيها من جذورها.

ولعل أكثر ما يلفت في هذا التقرير أنه لا يتكئ على العاطفة وحدها، ولا يختبئ خلف النوايا الحسنة، بل يقدّم نفسه بلغةٍ مسؤولة، تُقاس فيها النتائج، وتُراجع فيها المسارات.

الحديث عن الحوكمة، وعن جودة الأداء، وعن رضا المستفيدين، ليس ترفًا إداريًا، بل هو إعلانٌ واضح أن العطاء  يُدار بعقلٍ يوازي القلب، وأن الإحسان حين يُنظّم، يصبح أكثر أثرًا، وأبعد مدى.

ثم تأتي لحظة الفخر الحقيقي، لا حين ترى الجوائز، بل حين تدرك لماذا جاءت. فالتكريم في مثل هذه الأعمال ليس مفاجأة، بل نتيجة طبيعية لمسارٍ واضح، يتقدم بثبات، ويُراكم الإنجاز دون صخب، وهذا الهدوء في العمل هو ما يمنحه ثقله؛ لأن ما يُبنى بصمت، يبقى.

لكن ما بقي في الذهن بعد إغلاق تقرير تراؤف للأيتام في حفرالباطن، ليس رقمًا محددًا، ولا إنجازًا بعينه، بل ذلك الشعور بأن خلف هذه الصفحات عملاً حقيقيًا يُلامس الناس في حياتهم اليومية.

أن هناك من لم يعد أسير الحاجة، ومن بدأ يخطو نحو الاستقلال، ومن تغيّرت نظرته لنفسه قبل أن تتغير ظروفه، وهنا تحديدًا تتجاوز القضية حدود تقرير سنوي، لتصبح شهادة على أن الأثر حين يكون صادقًا، لا يحتاج إلى كثير بيان.

هذا التقرير لم يكن مجرد رابطٍ وصلني، بل كان تذكيرًا بأن في هذا الوطن أعمالًا تُنجز بعيدًا عن الأضواء، لكنها تُضيء حياة آخرين، وأن الفخر لا يُصنع بالكلمات، بل بما تقف خلفه من فعل، وحين يكون الفعل بهذا الامتداد، فإن الكتابة عنه لا تكون مجاملة، بل اعترافًا مستحقًا.