النهار

٠٦ ابريل-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٦ ابريل-٢٠٢٦       14300

بقلم - اللواء ركن م. محمد سعود السيف

في الحروب المعاصرة لم تعد القوة العسكرية التقليدية وحدها هي العامل الحاسم في تحقيق التفوق، بل برزت بشكل واضح أدوات أخرى لا تقل تأثيرًا، وفي مقدمتها عمليات المعلومات ومنها العمليات النفسية.

هذه الأدوات تعمل على توجيه الرأي العام وإرباك الخصم، بل وقد تُحقق أهدافًا استراتيجية دون إطلاق رصاصة واحدة.

تشمل عمليات المعلومات أنشطة إدارة تدفق الأخبار، وصياغة الرسائل الإعلامية، واستخدام المنصات الرقمية للتأثير في الجماهير، و تركز العمليات النفسية على التأثير في الحالة المعنوية والسلوكية للخصم، سواء كان ذلك عبر التحفيز أو التخويف، أو التضليل والخداع ، أو بث رسائل محسوبة تُحدث انقسامًا أو تشككًا داخليًا. ومع التطور التكنولوجي الهائل، أصبحت هذه العمليات أكثر دقة وانتشارًا وتأثيرًا.

في هذا السياق، يخطئ من يظن أن التصريحات المتكررة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي تتصدر وسائل الإعلام بشكل شبه يومي حول عملياته العسكرية في إيران هي مجرد تصرفات عفوية أو اندفاعات شخصية غير محسوبة.

بل على العكس، يمكن قراءتها ضمن إطار أوسع من الاتصال الاستراتيجي المرتبط بعمليات المعلومات والعمليات النفسية. فهذه التصريحات، بتوقيتها وطبيعتها وأسلوبها المباشر، قد تكون جزءًا من منظومة متكاملة تهدف إلى تحقيق تأثيرات محددة على الخصوم.

إن استخدام شخصية سياسية ذات حضور إعلامي قوي وأسلوب غير تقليدي في الخطاب، يمكن أن يكون أداة فعّالة في تنفيذ خطط العمليات النفسية.

فمثل هذا النمط من الشخصيات يلفت الانتباه، ويخلق حالة من الجدل المستمر، ويصعب التنبؤ بتصرفاته، وهو ما قد يُربك الخصم ويجعله في حالة رد فعل دائم بدلًا من الفعل.

ومن هذا المنظور، فإن وجود شخصية بهذه السمات قد يُعد ميزة استراتيجية، بل “هبة” لمخططي العمليات النفسية المرتبطة بالعمل العسكري يؤدي الدور بمهارة ويخفض تكاليف الانفاق على تلك الخطط.

وبالتالي، فإن قراءة المشهد الحالي تتطلب تجاوز التفسيرات السطحية، والنظر بعمق إلى الترابط بين التصريحات الإعلامية والعمليات الميدانية، وفهم كيف تُستخدم الكلمات كأدوات تأثير لا تقل أهمية عن الأدوات العسكرية التقليدية.

فالحرب الحديثة، في جوهرها، هي حرب على الإدراك قبل أن تكون حربا على الأرض.