النهار
بقلم - عبدالله الكناني
تكشفُ الشدائدُ معادنَ الدول كما تكشف معادنَ الأفراد، وتعيدُ رسمَ خارطةِ المواقف بعيدًا عن الضجيج الإعلامي والشعارات المعلّبة.
ولعلّ في أبيات الإمام الشافعي ما يُلخّص هذه الحقيقة الخالدة؛ إذ يقول:
جزى الله الشدائد كل خير
وإن كانت تُغصِّصني بريقي
وما شكري لها حمدًا ولكن
عرفتُ بها عدوي من صديقي
فتصبحُ الأزماتُ معيارًا دقيقًا لتمييز الصديق من العدو، والثابت من المتقلّب، وصاحب المبدأ من أسير المصالح الآنية.
تتباينُ في خضمّ التوترات الإقليمية المتسارعة مواقفُ دولٍ قريبة وبعيدة، وتحاولُ بعضُها محاكاةَ أدوارٍ أكبر من قدراتها، فتسيرُ في طرقٍ متعثّرة؛ فلا تُدركُ موازين القوة، ولا تُحسنُ قراءةَ المشهد السياسي، ولا تعكسُ الرأيَ الداخلي لشعوبها.
وتظهرُ في المقابل دولٌ أخرى وقد تخلخلت ثوابتها، فتُبدّلُ خطابها، وتضطربُ بوصلتها، حتى تبدو وكأنها تبيعُ قناعاتها على منابرها، في مشهدٍ يعكسُ أزمةً عميقة في الانتماء والهوية السياسية والاستراتيجية.
والمتابع لشؤون المنطقة يجد أن أغلبية شعوبُ الوطن العربي،البعيدة عن تأثيرات المصالح الشخصية والرسمية، تُثبتُ وعيًا لافتًا؛ فلا تنطلي عليها محاولات التضليل، بل تُؤكّدُ في مواقفها رسوخَ معتقدها وعمقَ انتمائها، فتُشكّلُ بذلك عنصرَ توازنٍ مهم أمام قراراتٍ سياسية متذبذبة في بعض الدول. *فالشعوب، حين تعي، تُصبحُ صمّام أمانٍ يحفظُ المسار من الانحراف*.
وتكشفُ الأحداثُ الأخيرةُ المتعلقةُ بإيران مفارقةً لافتة؛ إذ تُفضي السياساتُ التي يُروَّج لها تحت شعارات أيديولوجية وثورية إلى توتير الإقليم واستنزاف مقدرات الداخل الإيراني نفسه.
ويتحوّلُ خطابٌ يُفترض أن يستند إلى قيمٍ دينية تحترم الجوار والانتماء إلى أداةٍ لتبرير سياساتٍ توسعية، تدفعُ ثمنها الشعوب قبل الأنظمة.
وتتصاعدُ في هذا السياق تساؤلاتٌ مشروعة: أين صوتُ العقل داخل إيران؟ وأين النخبُ القادرةُ على إعادة توجيه البوصلة نحو الداخل، نحو التنمية والاستقرار بدلًا من المغامرات الخارجية؟ إذ يُهدّدُ استمرارُ هذا النهج أمنَ المنطقة، ويُفاقمُ معاناةَ الشعب الإيراني، الذي يجدُ نفسه بين مطرقة العقوبات والضربات الجوية وقصف البنية التحتية، وسندان السياسات المؤدلجة.
وتبرزُ -بفضل الله- دولُ الخليج العربية، بقيادة المملكة العربية السعودية، نموذجًا في التعاطي المتزن مع الأزمات؛ فتتّسمُ مواقفها بالحكمة وضبط النفس، مع جاهزية دفاعية عالية تُبهرُ العالم، وتعكسُ قدرةً على حماية السيادة دون الانجرار إلى فوضى التصعيد.
ويسهمُ هذا التوازن بين الحزم والعقلانية، والتجمّل بالصبر رغم امتلاك القوة الضاربة، في تفكيك كثير من الأوهام التي يُروَّج لها حول تغيّر خارطة المنطقة بالقوة.
ويُشكّلُ ما نشهده اليوم اختبارًا حقيقيًا لصلابة الدول ومصداقية مواقفها؛ فلا يُخلّدُ التاريخُ الشعارات، بل يُخلّدُ المواقف الصادقة، والسياسات التي تنحازُ لاستقرار الشعوب وكرامتها.
وتبقى الحقيقةُ الأهم: أنّ الأزمات، مهما اشتدّت، تُتيحُ فرصةً لإعادة التقييم، وفرز الصفوف، وبناء مستقبلٍ أكثر اتزانًا… لمن أراد أن يتعلّم.