النهار

١٧ مارس-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ١٧ مارس-٢٠٢٦       10780

بقلم ـ جمعان الكرت

في سراة الباحة تشكّلت علاقة الإنسان بالطبيعة بوصفها شراكة قديمة في صناعة الحياة. 
هنا تعلّم الإنسان أن يقرأ الجبل قراءة واعية، فحوّل السفوح الوعرة والصخور الصلدة إلى مدرّجات زراعية أصبحت شاهدًا على ذكائه ومهارته وصلابته؛ تحفظ الماء وتختزن العطاء. 
لم يكن ذلك فعلَ زراعة فحسب، بل كان فهما عميقا لمعادلة الأرض والمناخ.
واليوم يتكرر المشهد بصورة أخرى، إذ يهبط  الضباب  على القمم كأنه رسالة بيضاء، يعانق أشجار العرعر والطلح، ثم يمضي تاركًا خلفه اخضرارًا يتجدّد عامًا بعد عام. 
وبين هذا الجمال الشاعري وسؤال التنمية تبرز فكرة تستحق التأمل:
هل يمكن أن ننتقل من الاكتفاء بصورة  الضباب  إلى استثماره موردًا مائيًا مستدامًا؟
حين يخيم  الضباب  أسابيع متتابعة ثم يرتحل، نلحظ ازدياد اخضرار العرعر وبهائه، وقد ارتوى من ذلك العابر السماوي.
 هنا لا يعود  الضباب  مجرد لوحة بصرية، بل يتحول إلى عنصر يضخ الحياة في محيطه.
ومن هذا المشهد تتولد الفكرة العملية: لماذا لا ننتقل من التأمل إلى الاستثمار؟
العوامل الطبيعية مهيأة، والبيئة الجبلية مؤهلة، والتقنيات الحديثة قادرة على تحويل  الضباب  إلى قطرات تُجمع عبر شبكات تكاثف، وتُخزَّن في خزانات مناسبة، ثم تُستخدم مصدرًا مائيًا تكميليًا يدعم الغطاء النباتي ويعزز استدامته.
يمكن أن تبدأ التجربة في مواقع محددة من سراة الباحة، ومن أبرزها منتزه رغدان ، بما يمتلكه من كثافة في أشجار العرعر، وارتفاع مناسب، وتكرار موسمي للضباب، وذلك تحت إشراف الجهات المختصة وبالتنسيق مع أمانة المنطقة والمكتب الاستراتيجي.
تذبذب معدلات الأمطار واقع تعيشه كثير من المناطق، غير أن  الضباب  في سراة الباحة حاضر بصورة شبه منتظمة،وهذه ميزة بيئية لا ينبغي أن تبقى في إطار المشهد الجمالي فقط. 
فالضباب ثروة مائية كامنة، وإذا أُحسن توظيفه علميًا وتقنيًا تحوّل إلى مورد داعم للتشجير، ومساند للمدرجات الزراعية، ورافد للمبادرات البيئية.
لقد روّض الأجداد الجبل…
واليوم يستطيع الأحفاد أن يستفيدوا من الضباب.
بصورة أفضل .
ليس الأمر حلمًا شاعريًا، بل مشروعًا ممكنًا متى ما توفرت الدراسة والإرادة والشراكة مع الشركات المختصة في تقنيات حصاد الضباب، مدعومة بالمستشعرات الذكية وخطط التنفيذ المرحلية.
إن  الضباب  الذي يعانق العرعر منذ قرون قادر – بعقل معاصر – أن يتحول إلى مورد دائم.
وما بين صورة  الضباب  في الأفق وقطرة الماء في الخزان… تبدأ قصة مشروع بيئي واعد لسراة الباحة..