عبدالله الكناني
بقلم - عبدالله الكناني
لحظات التحوّل الكبرى في تاريخ الأمم، لا تُقاس فيها قوة الدول بقدرتها على إطلاق الصواريخ أو رفع نبرة الخطاب، بل بقدرتها على قراءة المشهد قبل أن يكتمل، وفهم ما وراء الضجيج من أهدافٍ خفية.
فالدولة القادرة على استشراف مآلات الأحداث، هي وحدها التي تستطيع أن تحمي مصالحها وتمنع انزلاق المنطقة إلى المجهول.
خلال الأشهر الأخيرة، بدا الشرق الأوسط وكأنه يقف على حافة صراعٍ واسع يتجاوز حدود الدول والجبهات، ويتجه نحو مواجهةٍ أريد لها أن تتخذ طابعًا مذهبيًا خطيرًا، تُستنزف فيه شعوب المنطقة لعقود،لم يكن التصعيد العسكري والإعلامي مجرد خلافٍ عابر بين أطرافٍ متنازعة، بل أقرب إلى سيناريو استنزاف طويل الأمد، يُراد له أن يتحول إلى مواجهة مذهبية مفتوحة، بحيث تنتقل الحرب من صراع سياسي إلى صراع هوياتي يبتلع المنطقة بأكملها.
نعم في مثل هذه الحروب، لا يكون الرابح الحقيقي هو من يقاتل في الميدان، بل من يقف بعيدًا يراقب نتائج الاستنزاف، بينما تتآكل قوى الإقليم وتُعاد صياغة خرائط النفوذ على أنقاض الاستقرار،وفي قلب هذا المشهد المعقّد، بدت ملامح محاولةٍ واضحة لجرّ المنطقة إلى حرب إقليمية واسعة؛ تبدأ بإشعال المواجهة مع إيران، ثم تتسع دائرتها تدريجيًا لتشمل دول الخليج العربي ، حتى تتحول المنطقة إلى ساحة صراع مفتوحة تتقاتل فيها القوى الإقليمية، فيما تكتفي القوى الكبرى بمراقبة المشهد وإدارة توازناته من الخلف.
غير أن ما حدث جاء بحمد الله على خلاف ما خُطِّط له،فقد قرأت المملكة العربية السعودية، بقيادتها السياسية، المشهد بوعيٍ استراتيجي عميق، ولم تنجرّ إلى منطق الاستفزاز أو ردود الفعل الانفعالية.
أدركت القيادة السعودية أن الهدف الحقيقي لم يكن مواجهة عسكرية محدودة، بل جرّ المنطقة إلى حربٍ طويلة تعيد تشكيل توازناتها على أنقاض الاستقرار.
وهنا يظهر الفارق الجوهري بين السياسة الانفعالية التي تتحرك بدافع اللحظة، والقيادة الاستراتيجية التي تنظر إلى ما وراء اللحظة.
فبينما دفعت حسابات التوسع والأيديولوجيا في طهران نحو مساراتٍ تصب – دون إدراك – في خدمة خطط الاستنزاف، اختارت الرياض أن تتحرك بعقل الدولة الكبرى التي تدرك مسؤولياتها التاريخية تجاه المنطقة.
لقد تعاملت المملكة مع الأزمة بمنطق الدولة الراسخة التي تقرأ موازين القوة بدقة، وتقدّر المصالح، وتستشرف النتائج بعيدة المدى، لم يكن الموقف مجرد ردٍّ سياسي على حدثٍ عابر، بل قرارًا استراتيجيًا يحمي المنطقة من الانزلاق إلى حربٍ قد تحرق الجميع.
وفي هذا السياق، برز دور سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان (يحفظه الله)بوصفه قائدًا يقرأ التحولات الدولية والإقليمية بعينٍ مختلفة؛ عين تدرك أن الحروب الحديثة لا تُخاض فقط في ميادين القتال، بل في فضاءات أوسع من السياسة والاقتصاد والتحالفات الدولية.
لقد أثبتت الأحداث أن القيادة ليست مجرد ردود أفعال أو خطاباتٍ حماسية، بل قدرة على إدراك الأهداف الخفية للحروب قبل أن تتحول إلى واقع، ولهذا لم تكن المملكة طرفًا في تصعيدٍ غير محسوب، بل كانت صوتًا للعقلانية السياسية التي تدرك أن أمن المنطقة لا يتحقق بإشعالها، بل بحماية توازناتها.
ومع مرور الوقت بدأت الصورة تتكشف شيئًا فشيئًا أمام العالم، فالمعادلات الدولية لا تسمح بحروبٍ مفتوحة بلا نهاية، والضغوط السياسية بدأت ترسم حدودًا للصراع، حتى بدت بعض القوى الكبرى وكأنها تقول لحلفائها بوضوح: لقد دعمناكم، لكن استمرار الحرب إلى ما لا نهاية ليس خيارًا ممكنًا.
عند هذه النقطة، ظهرت الحقيقة التي حاول البعض إخفاءها طويلًا:
لم يكن الهدف إيران وحدها، بل كان الهدف الأوسع هو جرّ المنطقة بأكملها، إلى قلب صراعٍ إقليمي واسع،لكن حكمة القيادة السعودية أوقفت هذا السيناريو قبل أن يتحول إلى واقع.
لقد اختارت المملكة أن تكون عامل استقرار لا طرفًا في الفوضى، وأن تكون صمام أمان للمنطقة لا شرارةً لحربٍ جديدة، وهذا الدور ليس طارئًا على تاريخها، بل امتداد لنهجٍ سياسي طويل جعل من الرياض مركزًا للتوازن في الشرق الأوسط.
واليوم يحق لكل سعودي أن يشعر بالفخر بقيادته؛ قيادة تدرك أن حماية الوطن لا تكون بالصوت الأعلى، بل بالقرار الأعمق. قيادة تعرف كيف تدير التوازن بين القوة والحكمة، بين الردع والمسؤولية، وبين حماية المصالح الوطنية والحفاظ على استقرار المنطقة.
لقد أثبتت الأحداث أن المملكة ليست مجرد دولة مؤثرة في محيطها، بل ركيزة استقرار إقليمي لا يمكن تجاوزها في معادلات الشرق الأوسط.
ولهذا، حين تُكتب فصول هذه المرحلة من تاريخ المنطقة، سيُقال إن لحظةً كادت أن تتحول إلى حربٍ إقليمية كبرى، لكن حكمة القيادة السعودية أوقفت عجلة التصعيد قبل أن تدور بلا عودة، وفي عالمٍ يموج بالصراعات، تبقى الحكمة السياسية هي القوة الأكثر تأثيرًا.
حمى الله المملكة العربية السعودية، وحفظ قيادتها، وجعلها دائمًا صوت الحكمة وصمام الأمان في الشرق الأوسط والعالم.