النهار
بقلم - مفلح الدغيشم الشراري
أحيانًا تحمل لنا الصدف أجمل اللقاءات، وتفتح أبوابًا من الذكريات . هكذا كان لقائي بالشاعر الكبير عبدالرزاق الهذيل، ابن محافظة القريات بمنطقة الجوف، أحد الأسماء الشعرية التي لا يمكن تجاوزها عند الحديث عن الشعر النبطي في المملكة والخليج.
عبدالرزاق الهذيل من الشعراء المخضرمين، ومن أهم المؤسسين لمدرسة الشعر في مدينة القريات، شاعرٌ يمكن وصفه بـ“الأستاذ” كما يطلق عليه كثير من أدباء وشعراء الخليج، لما يمتلكه من قدرة فريدة على تطويع المفردة، وصياغة القصيدة بروح خاصة تجمع بين عذوبة الكلمة وعمق الإحساس. قصيدته تحمل نَفَسًا مختلفًا، لا يشبه إلا نفسه، ويصل إلى القلوب ببساطة صادقة.
ولا أخفي إعجابي بهذا الشاعر منذ الصغر ، حين كنت اشاهد صوره على غلاف المجلات في ذلك الزمن الجميل ،كمجلة المختلف، وفواصل ، واليمامة ، كنت أستمتع بقصائدة ومقالاته بالجزيرة أيضًا ، ومجلة القريات، وصحيفة البلاد، وكذلك في صحيفة اليوم من خلال زاويته المعروفة قديمًا “في وهجير”. تلك النصوص المبكرة صنعت علاقة خاصة بين القارئ والشاعر، وكرّست اسمه ضمن أبرز الأصوات الشعرية في الساحة.
كانت الصدفة الجميلة ليلة البارحة حين التقيته في منزل الصديق الوفي علي الثريا بمحافظة القريات ، وهو من المقربين للشاعر أبو حسين عبدالرزاق الهذيل. جلسة دافئة في منزل أبو عبدالله أ. علي الثريا ، الذي أصبح بيته ملتقى للأصدقاء ،جلسة امتزجت فيها الذكريات بالحديث عن الشعر والحياة، وكان أكثر ما لفتني في الشاعر تواضعه وبساطته، رغم تاريخه الطويل وتجربته الثرية. تمنيت في تلك اللحظة أن تتكرر مثل هذه اللقاءات مع قامة أدبية تحمل هذا القدر من العمق والصدق.
عبدالرزاق الهذيل ليس شاعرًا فحسب؛ بل هو ذاكرة ثقافية ممتدة. بدأ مشواره الشعري والصحفي قبل عقود، وكتب في الكثير من الصحف ، وكان حاضرًا في المشهد الثقافي بصوت واضح وبصمة لا تخطئها العين. كلمته دائمًا صادقة، وقصيدته قريبة من الناس، يشعر القارئ معها أن النص يعيش معه لا أمامه.
ورغم هذا الإرث الكبير، والعطاء الممتد عبر سنوات طويلة، إلا أن الإعلام وللأسف لم يمنحه حقه كما ينبغي. فابتعاد الأضواء عنه في بعض الفترات ليس لغياب حضوره أو قلة في قصائدة ، بل لأن الإعلام كثيرًا ما ينشغل باللحظة العابرة، ويغفل عن أسماء الكبار الذين أسهموا في تأسيس الذائقة الشعرية وصناعة المشهد الثقافي.
إن الشاعر عبدالرزاق الهذيل يستحق أن يُعاد تقديمه بما يليق بقامته. فهو ليس مجرد شاعر من القريات، بل أحد رموز الشعر النبطي في المملكة والخليج، وصوت شعري أصيل سيبقى حاضرًا في الذاكرة الثقافية، وأحد أعمدة المدرسة الشعرية التي لا يمكن تجاهلها.
إنصاف الأسماء الكبيرة مسؤولية، وتقديمهم واجب، فالأسماء الكبيرة لا تُقاس بكثرة الظهور، بل بثقل التأثير وعمق البصمة التي تتركها في وجدان الناس.