النهار
بقلم - عبدالمحسن محمد الحارثي
بعض الرجال تمرّ بهم الأعوام، وبعضهم تتحوّل الأعوام في سيرتهم إلى معنى. وحين يُذكر اسم الشيخ حسن بن مفرِّح الغزواني ؛ فإن الحديث لا يكون عن سيرة رجلٍ فحسب، بل عن نموذجٍ من الرجال الذين صنعتهم المواقف، فصنعوا بدورهم مكانتهم في قلوب الناس.
في ذاكرة المجتمعات رجالٌ لا تصنعهم المناصب، بل تصنعهم المواقف.
رجالٌ تمضي بهم الأعوام في هدوء، حتى يكتشف الناس أن تلك الأعوام كانت تبني سيرةً تستحق أن تُروى.
ومن هذا الطراز من الرجال ؛ يبرز اسم الشيخ حسن بن مفرِّح الغزواني؛ رجلٌ بدأت حكايته من ميادين العمل، وانتهت إلى قلوب الناس.
ليس كل الرجال تُقاس مكانتهم بما يحملون من ألقاب، فبعضهم تصنعه ميادين الحياة قبل أن تصنعه الألقاب. وقد قال الفيلسوف الإغريقي أرسطو إن الفضيلة ليست فعلًا عابرًا، بل عادة تتكرر حتى تصبح طبيعة.
وهذه الفكرة تكاد تختصر سيرة الشيخ حسن الغزواني؛ رجلٌ صاغت التجربة ملامحه، وصقل الزمن شخصيته، حتى أصبح اسمه علامة ثقة يعرفها الناس قبل أن يعرفوا تفاصيل سيرته.
بدأت رحلته من بوابة الخدمة العسكرية في الأمن العام بمنطقة مكة المكرمة، حيث تشكّلت ملامح الانضباط والالتزام التي لازمته طوال حياته.
وفي تلك المدرسة العملية الصارمة تعلّم أن خدمة الوطن ليست وظيفة تُؤدّى فحسب، بل أمانة تُحمل.
ثم عاد إلى منطقته جازان ليواصل مسيرته ؛ فكان مثالًا للعسكري المنضبط الذي يضع الواجب قبل كل اعتبار.
وبرغم أنه كان في رتب الصف ضابط، إلا أن حضوره القيادي وثقة من حوله به جعلاه يتقلّد مهام ومسؤوليات متعددة، في صورة تؤكد أن قيمة الرجال لا تحدّها الرتب بقدر ما تصنعها الثقة.
ينتمي الشيخ حسن بن مفرّح الغزواني إلى قبائل بني غزوان في محافظة العيدابي، وقد حمل مشيخة القبيلة بروح المسؤولية والحكمة.
فالشيخ في الثقافة العربية ليس لقبًا اجتماعيًا فحسب، بل ميزان ثقةٍ ومرجعية رأي.
وقد عُرف عنه رجاحة العقل وسداد المشورة، حتى أصبح اسمه مرادفًا للتوازن في الشخصية والاتزان في القول والفعل؛ وهي خصلة لا يملكها إلا من تمرّس بالحياة وامتحنته الأيام.
وكانت وطنيته الصادقة إحدى أبرز سماته؛ فقد عُرف بحبه العميق لوطنه وولائه لقيادته، وبعلاقته الوطيدة بإمارة منطقة جازان، وهي علاقة تقديرٍ متبادل بنيت على الثقة والمواقف.
وكان يرى أن الوطنية ليست كلمات تُقال في المناسبات، بل سلوكٌ يومي يتجلى في خدمة المجتمع وتعزيز تماسكه.
أما في طباعه الشخصية ؛ فقد جمع الرجل بين الشهامة والكرم وعلوّ الخلق، مع جرأةٍ هادئة في نصرة الحق وفعل الخير.
وقد قال الأديب العربي عبد الله بن المقفع إن الرجال يُعرفون بثلاث: صدق الحديث، وأداء الأمانة، وحفظ الود.
وهي خصال اجتمعت في شخصية هذا الرجل حتى تجاوزت سمعته حدود جازان إلى مناطق الوطن، بل إلى الخليج والعالم العربي، عبر شبكة واسعة من العلاقات التي نسجها بصدق التعامل وطيب السيرة.
ومن جميل أثره في الحياة أن مدرسته الأخلاقية لم تقف عند شخصه، بل امتدت إلى أبنائه الذين نشؤوا على ذات القيم، فتقلّد عدد منهم مناصب عليا في الدولة وفي مجالات مختلفة..وكأن الرجل أدرك مبكرًا ما قاله الحكيم الصيني كونفوشيوس: إن أعظم ما يتركه الإنسان بعده ليس المال، بل المثال.
واليوم ؛ وقد تجاوز الشيخ حسن بن مفرّح الغزواني ثمانية عقود من العمر ؛ لا تزال روحه متقدة بحب الوطن وخدمة الناس..فالعمر عند الرجال ليس رقمًا في سجل السنوات، بل مقدار ما يتركونه من أثر..وبيته في محافظة العيدابي أصبح مع الزمن بوصلة يعرفها الجميع؛ بيتًا يقصده الناس للمشورة، ويجدون فيه روح الكرم وصدق الوفاء.
وقد قال الشاعر العربي الكبير أبو الطيب المتنبي إن قيمة الإنسان بما يتركه من أثر، لا بما يملكه من مال أو جاه.
ومن يتأمل سيرة الشيخ حسن الغزواني يدرك أن بعض الرجال لا يصنعون الضجيج حول أسمائهم، بل يصنعون المعنى في حياة الناس.
وهكذا تبقى هذه السيرة شاهدًا على أن الأخلاق حين تقترن بالعمل تصنع مكانة لا تحتاج إلى إعلان، وأن الرجال الحقيقيين هم أولئك الذين يكتبون تاريخهم في هدوء، ثم يكتشف الناس بعد زمن أن تلك السيرة كانت درسًا في الوفاء للوطن والإنسان.