النهار

٠٩ مارس-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٩ مارس-٢٠٢٦       13530

بقلم - الدكتور م. معجب بن عبدالرحمن العضياني

تنويع مصادر المياه وبناء اقتصاد للمياه المعالجة يعزز الأمن المائي والغذائي في المملكة ودول الخليج، ويجعل المنظومة المائية أكثر قدرة على مواجهة التحديات المستقبلية. في منطقة تُعد من أكثر مناطق العالم ندرةً في الموارد المائية، يصبح الأمن المائي ليس مجرد قضية خدمية أو خدمية فحسب، بل أحد العناصر الجوهرية في معادلة الأمن الوطني والاستقرار الاقتصادي والتنمية المستدامة.

ومع ذلك، تتكرر بين الحين والآخر تحليلات جيوسياسية تختزل منظومة المياه في منطقة الخليج في مصدر واحد هو تحلية مياه البحر. وقد عاد هذا الطرح إلى الواجهة مؤخراً مع تداول مقطع لأحد المحللين يتحدث فيه عن احتمال استهداف محطات التحلية في حال اندلاع صراع إقليمي. ورغم أن مثل هذه الطروحات قد تبدو لافتة إعلامياً، إلا أنها ليست جديدة في أدبيات الأمن الاستراتيجي أو دراسات حماية البنية التحتية الحيوية.

فمنذ عقود، يدرك المختصون أن منشآت الطاقة والمياه تُعد من البنى التحتية الحساسة في أي دولة، ولذلك تظهر دائماً ضمن تحليلات المخاطر الجيوسياسية. غير أن الإشكالية في بعض هذه التحليلات تكمن في اختزال منظومة المياه في مصدر واحد، وهو ما لا يعكس الواقع المائي في دول الخليج، وخصوصاً في المملكة العربية السعودية.

استراتيجية تقوم على تنوع الموارد

خلال السنوات الماضية، تبنت المملكة نهجاً واضحاً يقوم على تنويع مصادر المياه وتعزيز مرونة المنظومة المائية، وهو ما ظهر بوضوح في الاستراتيجية الوطنية للمياه ورؤية المملكة 2030. صحيح أن التحلية تمثل خياراً استراتيجياً مهماً نظراً لندرة الموارد السطحية في المنطقة، وقد أصبحت المملكة من أكبر منتجي المياه المحلاة في العالم، إلا أن التحلية كانت دائماً جزءاً من منظومة أوسع لإدارة الموارد المائية وليست المصدر الوحيد لها. فالمنظومة المائية في المملكة تقوم على عدة مصادر متكاملة تشمل التحلية والمياه الجوفية ومياه السدود إضافة إلى إعادة استخدام المياه المعالجة، وهو ما يمنح النظام المائي قدرة أعلى على التكيف مع المتغيرات الطبيعية والاقتصادية.

المياه الجوفية كمخزون استراتيجي

لا تزال المياه الجوفية المتجددة وغير المتجددة تمثل أحد أهم الموارد المائية في المملكة، حيث تشكل احتياطياً استراتيجياً يمكن الاعتماد عليه عند الحاجة. وقد أدارت المملكة هذا المورد عبر سياسات تنظيمية تهدف إلى تحقيق التوازن بين الاستفادة منه والحفاظ عليه للأجيال القادمة. ويمثل هذا المورد أحد عناصر المرونة في النظام المائي، خصوصاً عند النظر إلى منظومة المياه بوصفها نظاماً متعدد المصادر وليس مورداً أحادياً يعتمد على تقنية واحدة.

اقتصاد المياه المعالجة

من التحولات المهمة التي شهدها قطاع المياه في السنوات الأخيرة التوسع في إعادة استخدام المياه المعالجة، وهو ما يمكن وصفه بتطور نحو بناء اقتصاد للمياه المعالجة. فلم يعد استخدام المياه المعالجة يقتصر على التشجير أو الاستخدامات البلدية، بل أصبح يمتد إلى قطاعات إنتاجية مثل الصناعة والزراعة والتعدين. وقد دعمت الأنظمة والتشريعات هذا التوجه من خلال تشجيع وفي بعض الحالات إلزام استخدام المياه المعالجة في عدد من القطاعات الاقتصادية. هذا التحول يسهم في تقليل الضغط على مصادر المياه التقليدية، ويعزز مفهوم الاقتصاد الدائري للمياه الذي أصبح أحد الاتجاهات العالمية في إدارة الموارد المائية.

رفع كفاءة استخدام المياه

إلى جانب تنويع المصادر، ركزت السياسات المائية في المملكة على رفع كفاءة استخدام المياه، خصوصاً في القطاع الزراعي الذي يمثل أكبر مستهلك للمياه. وقد ساهم التوسع في تقنيات الري الحديثة خلال السنوات الماضية في خفض استهلاك المياه بشكل ملحوظ مع الحفاظ على الإنتاج الزراعي، وهو ما يعزز الأمن الغذائي ويزيد من كفاءة استخدام الموارد الطبيعية.

دور السدود وإدارة مياه الأمطار

تلعب السدود دوراً مهماً في إدارة مياه الأمطار والسيول في مختلف مناطق المملكة، حيث تسهم في تخزين المياه وتعزيز تغذية الخزانات الجوفية والاستفادة من الموارد المائية الطبيعية. كما تشير بعض الدراسات المناخية الحديثة إلى تغيرات ملحوظة في أنماط الهطول المطري في أجزاء من الجزيرة العربية خلال السنوات الأخيرة، مع تزايد شدة بعض الأحداث المطرية في بعض المناطق، وهو ما قد يوفر فرصاً إضافية لتعزيز الموارد المائية الطبيعية إذا ما تم استثماره عبر إدارة متكاملة لمياه الأمطار والسيول.

منظومة مائية أكثر مرونة

بفضل هذه السياسات المتكاملة، أصبحت منظومة المياه في المملكة ودول الخليج أكثر تنوعاً ومرونة، وأقل اعتماداً على مصدر واحد للمياه. فالأمن المائي اليوم يقوم على مزيج متكامل من الموارد يشمل التحلية والمياه الجوفية والسدود والمياه المعالجة، إلى جانب سياسات ترشيد الاستخدام ورفع الكفاءة.

وفي الختام إن النقاش حول حساسية محطات التحلية في التحليلات الجيوسياسية قد يكون صحيحاً من زاوية نظرية، لكنه لا يعكس الصورة الكاملة لمنظومة المياه في دول الخليج. فالمملكة ومن خلال رؤية 2030، تعمل على بناء نموذج متقدم لإدارة المياه يقوم على تنويع المصادر وتعظيم كفاءة الاستخدام وتطوير الاقتصاد الدائري للمياه، وهو ما يعزز في النهاية الأمن المائي والغذائي ويجعل منظومة المياه أكثر قدرة على مواجهة التحديات المستقبلية بثقة واستدامة. وفي عالم تتزايد فيه التحديات المناخية والجيوسياسية، فإن الدول التي تنجح في إدارة مواردها المائية بكفاءة وتنوع مصادرها ستكون الأكثر قدرة على حماية أمنها المائي والغذائي واستدامة تنميتها الاقتصادية.