النهار

٠١ مارس-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠١ مارس-٢٠٢٦       30745

بقلم - هلا الخباز
في جلسة حميمية، جلسنا نحلّل سلوك الأصدقاء وصفاتهم وردّات أفعالهم.

امتدّ الحوار حتى عرّجنا على أنفسنا؛ فلطالما نميل إلى تقسيم ذواتنا كما نقسم العالم: هذا جيد، وهذا سيئ.

هذه صفة محمودة، وتلك عيب ينبغي التخلّص منه..

حينها تذكرت خوفي الدائم، وترديدي لآيات التحصين في داخلي وأنا أصفق لنجاح أحدهم، كأنني أحاول أن أقيه من أثر بشريتي إن غلبتني.

وتذكرت مساحة العفو التي اتّسعت في قلبي عبر السنوات؛ كيف صرت أترفع عمّا لو تركت نفسي لهواي فيه، لأحرقت ما بنيته بيدي.

تذكرت كيف كنت أُحفّز نفسي، أضع صفاتي الحميدة في مصباح المارد لأستدعيها كلما خفت خفوتها، وأقول: إن لم أقوِّها بوعي، فما جدوى قراءاتي ولا خطواتي في رحلة البحث عن ذاتي؟
نحن نتعامل دوما مع شخصياتنا وكأنها قائمة خيارات يمكن تنقيتها حتى تبقى منها الفضائل وحدها.

لكنني مؤمنة دومًا بأننا لا نُولد بنسخة مصفّاة من أنفسنا، بل بتركيبة متأرجحة بين الخير والشر، بين المقبول والمحتمل، وبين ما لا يُطاق.

في داخل كلٍّ منا أقزام سبعة: الطيب، واللئيم، والغيور، والحنون، واللطيف، والصارم، والممتن… وغيرها من الصفات التي تتناوب الظهور بحسب الموقف والسياق.
لسنا كائنات نقية أو فاسدة بالكامل؛ نحن مساحة تتجاور فيها الإمكانات.

ومهمتنا الأخلاقية والإنسانية ليست في إنكار أحد هذه الأجزاء، بل في تهذيبها.

في تضخيم صفاتنا الإيجابية، وتحجيم كل خصلة مؤذية يمكن أن تتحكم بنا..

نحن لانخلق بنسخة مصقولة أخلاقيًا، ولا بتركيبة خالية من التناقض.

نحن نولد بمزيجٍ معقّد؛ نحمل قابلية للعطاء كما نحمل نزعة للأنانية، نملك ميلًا للشجاعة كما نخاف، نغضب، نطمع، نحب، نغار، نتردد.

لسنا نورًا خالصًا، ولا عتمة كالحة، بل مساحة نتأرجح فيها بين النور والنار.
الفلسفة القديمة لم تنظر إلى المشاعر بوصفها أخطاء ينبغي محوها، بل طاقات تحتاج إلى توجيه.

رأى أرسطو أن الفضيلة تكمن في “الاعتدال”، في ذلك الموضع الدقيق بين الإفراط والتفريط.

الشجاعة ليست غياب الخوف، بل القدرة على ضبطه؛ والكرم ليس تبذيرًا، بل توازنًا بين البخل والإسراف.

بمعنى آخر، ليست المشكلة في أن نملك صفةً ما، بل في أن تملكنا هي.
النضج لا يعني التخلّص من هذه التناقضات، بل إدارتها.

ليس المطلوب أن نصبح بلا غضب، بل أن نتعلّم متى نغضب وكيف نُعبّر.

ليس المطلوب أن نقتل طموحنا حتى لا يبدو أنانيًا، بل أن ننقّيه من رغبة الإقصاء.

حتى الخوف، في كثيرٍ من الأحيان، ليس ضعفًا في ذاته، بل آلية حماية تحتاج إلى توازن.

يعبّر جبران خليل جبران عن هذا المعنى حين يشبّه النفس بحديقة تنمو فيها الأزهار كما ينمو الشوك؛ والعناية لا تعني اقتلاع التربة، بل تهذيبها حتى لا يطغى أحدهما على الآخر.
كثيرون يظنون أن التطوّر الشخصي يعني أن نصبح “أشخاصًا أفضل” عبر حذف ما لا يعجبنا في أنفسنا.

لكن التغيير الحقيقي يحدث حين نتوقف عن محاربة مكوّناتنا، ونبدأ بفهمها.

قد لا يقل غضبنا، لكن يزداد وعينا به؛ قد لا تختفي غيرتنا، لكن تتحول إلى محفّز لتحسين الذات لا لإطفاء نجاح الآخرين.

الفرق بين الصفة التي ترتقينا والصفة التي تثقلنا ليس في طبيعتها، بل في درجة وعيِنا بها.
الإنسان ليس مشروع كمال، بل مشروع تهذيب.

نحن لا نُخلق مكتملين ولا فاسدين؛ نُخلق بإمكانيتين في كل سمة نحملها..

فإما أن نُسلّم للجانب الذي يعمل تلقائيًا، أو أن نتدخّل بوعي لنضبط إيقاعه.

وكما أشار نجيب محفوظ، فإن الإنسان لا يتغيّر فجأة، بل يكتشف نفسه مع الزمن.

وهذا الاكتشاف ليس لحظة انبهار، بل رحلة مراجعة مستمرة.
لسنا صفاتٍ جاهزة تُصنّف في خانة الخير أو الشر.

نحن حركة دائمة بين طرفين، وبين إمكانين.

وما يميّز الناضجين ليس أنهم خالون من العيوب، بل أنهم يعترفون بها، ويمسكون بزمامها.

المهمّة ليست قتل العتمة، ولا المبالغة في تمجيد النور، بل تحقيق ذلك التوازن والاتساق الداخلي الذي يجعل صفاتنا في خدمتنا… لا نحن في خدمتها.