النهار

٢٤ فبراير-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٤ فبراير-٢٠٢٦       16775

بقلم ـ جمعان الكرت 

في عالم تتسارع فيه التحولات المعرفية والتقنية والاتصالية، يبرز سؤال  الهوية الثقافية  بوصفه سؤالاً وجودياً لا ترفاً فكرياً. فبين من يرى ضرورة فتح النوافذ والأبواب لرياح العالم، مع الحرص على تثبيت أركان البيت حتى لا يُجتث من جذوره – انسجاماً مع الرأي الشهير الذي طرحه المهاتما غاندي حين دعا إلى الانفتاح دون التفريط – وبين من يستبد به القلق من الثقافات الأخرى وتأثيرها في الثقافة الإسلامية، تقف فئة ثالثة تتساءل بثقة: ولماذا لا تكون  الهوية الثقافية  الإسلامية قادرة على التأثير في الآخر وإذابته في قيمها؟

هذا الجدل لا ينفصل عن سياق عالمي يتنامى بسرعة مذهلة؛ عالم اختلّت فيه موازين القوى بوجود قطب سياسي مهيمن، ولم تعد الهيمنة فيه سياسية فحسب، بل اتسعت دوائرها لتشمل الثقافة وأنماط العيش والقيم والرموز.

 وهنا تتفاوت الشعوب في مواقفها بين استقبال الثقافة الوافدة أو رفضها، لأسباب متعددة: الخوف من الذوبان، أو التبعية للأقوى، أو ضعف الثقة بالذات.

 مع أن الثقافة – شأنها شأن الكائن الحي – تنمو وتضعف، تُصدِّر وتستورد، تمرض وتشفى، لكنها لا تموت.

ويطفو على السطح سؤال جوهري: أيهما حاضن للآخر، الثقافة أم الهوية؟

الثقافة بمفهومها الواسع تشمل العادات والتقاليد، السلوك والمعرفة، المنتج والإرث التاريخي، اللغة والعقيدة.

 والهوية هي الوعاء الذي تنتظم فيه هذه العناصر وتتبلور في صورة شعور جمعي بالانتماء. لذا فالعلاقة بينهما علاقة تلازم وتكامل، لا تنفك إحداهما عن الأخرى، بل يمنحهما التلاحم قوة ومتانة وحصانة. 

غير أن هذه الحصانة لا تعني الانغلاق أو إقامة الأسوار، فالعالم الذي يتحرك بإيقاع «الفيمتو ثانية» – على حد توصيف العالم المصري أحمد زويل لم يعد يسمح بالتقوقع، وقد غدا قرية صغيرة، بل صالوناً مفتوحاً على مصراعيه.

إن تكريس العزلة لا يحمي الهوية، بل قد يزيد من حدة التأثير الخارجي حين يتسلل في غياب المناعة الذاتية. فالانكفاء لا يصنع قوة، بل يولّد هشاشة وخوفا مزمنا من الآخر. 

ومن هنا تبدو الحاجة ملحّة إلى انفتاح ثقافي واع ، يرسّخ مفاهيم الثقافة الإسلامية عبر التربية والتعليم والمؤسسات الثقافية، ويجعل من الثقة بالذات منطلقاً للتفاعل لا ذريعة للانسحاب.

الثقافة الإيجابية ليست تلك التي تُقصي غيرها أو تصادره، بل التي تؤمن بالتعددية، وتملك القدرة على الاحتواء والتأثير. 

إنها ثقافة تسعى إلى فهم “نحن” في مرآة الآخر، كما تسعى إلى فهم الآخر في سياقنا؛ لأن اختلال هذه المعادلة يولّد القلق، ويزعزع الثقة، ويفضي إلى التقهقر الحضاري.

ومن الطبيعي أن نعتز بهويتنا الإسلامية، لكن الاعتزاز وحده لا يكفي في ميزان الحضارة.

 فالمطلوب أن نعرّف بها العالم تعريفاً واعياً، وأن نقدمها نموذجاً عملياً في القيم والعدل والجمال والمعرفة. 

فهي – في يقيننا – ربانية المصدر، إنسانية الغاية، صالحة لكل زمان ومكان. وليس من الحكمة أن نسيّجها خوفاً من الآخر، بل الأجدر أن نحصّنها بالعلم والعمل، ونفتح لها آفاق الحوار والتأثير.

هكذا يصبح الانفتاح قوة، لا تهديداً،وتغدو الهوية منارة، لا جداراً. وفي عالم متغيّر، لا يبقى إلا ما كان قادراً على التفاعل الخلّاق، واثقا بجذوره، ممتدا بأغصانه نحو سماء الإنسانية الرحبة…