النهار
بقلم - حذامي محجوب
بين دعوة رئاسية عابرة للمحيط، وإقامة اختارها القلب قبل القدم، تبدو حكاية كريستيانو رونالدو مع السعودية أكبر من مجرد عقد كروي، وأعمق من مجاملة دبلوماسية. حين وجّه إليه دونالد ترامب دعوة مباشرة للحضور إلى الولايات المتحدة، بدا المشهد للوهلة الأولى استعراضا إعلاميا لافتا: رئيس أقوى دولة في العالم يخاطب أسطورة الكرة بعبارة "الأعظم في التاريخ "ويطالبه بالقدوم سريعا. غير أن الرد غير المعلن كان أبلغ من أي تصريح ،لم يكن في استعجال الخطى نحو واشنطن، بل في رسوخ الخطى في الرياض.
رونالدو الذي جاب ملاعب أوروبا من مانشستر إلى مدريد وتورينو، لم يتعامل مع محطته السعودية بوصفها استراحة محارب، بل كاختيار وجودي جديد. في نادي النصر السعودي لم يجد فقط فريقا ينافس، بل مشروعا يؤمن به، وجمهورا يبادله الشغف، وبلدا يعيد تشكيل صورته الرياضية والاقتصادية بثقة لافتة. قالها بوضوح: قد أنهي مسيرتي هنا. وفي عالم يتبدل فيه اللاعبون كما تتبدل القمصان، تبدو فكرة “النهاية في النصر” إعلان وفاء نادر.
ما يلفت في قصة رونالدو مع المملكة ليس عدد الأهداف، بل نوعية الانتماء. الرجل الذي اعتاد أن يكون محط أنظار العواصم، يتحدث عن السعودية بضمير الجمع: “أشعر أنني واحد منكم… أنا رجل سعودي”. ليست عبارة عابرة في مؤتمر صحافي، بل تلخيص لتحول عاطفي وثقافي. لقد جاء مؤمنا بمشروع رياضي صاعد، فإذا به يجد نفسه جزءا من نهضة أوسع: ملاعب تمتلئ، دوري يتطور، سياحة تنمو، وصورة بلد تتجدد في أعين العالم.
الدعوة الأميركية حملت بريق القوة السياسية، لكن البقاء في السعودية حمل دفء القناعة الشخصية. بين “نحتاجك سريعاً” و“أنا سعيد هنا”، اختار رونالدو العبارة الثانية. وربما في هذا الاختيار تكمن الطرافة كلها: أعظم لاعب في نظر رئيسٍ أميركي، يقرر أن أعظم محطاته قد تكون في أرضٍ تبني حاضرها الرياضي بثقة، وتستثمر في نجومية لا تكتفي بالأضواء بل تصنعها.
في النهاية، ليست المسألة مقارنة بين عاصمتين، بل بين نداء خارجي وحب داخلي. ورونالدو، الذي اعتاد أن يحسم المباريات في الدقائق الأخيرة، حسم وجهته مبكراً: السعودية ليست محطة عابرة في سيرته، بل فصل أخير محتمل، يكتبه برضاه، ويزيّنه بشعور واضح بالارتياح والانتماء.