النهار
بقلم - علي المالكي
في زمن لم تعد فيه الحدود تحرس فقط بالاسلاك الشائكة بل بالخوادم والمنصات وخوارزميات الانتشار تغير تعريف القوة.
لم يعد النفوذ مرهونا بعدد الدبابات بل بقدرة السرد على العبور وبسرعة الرواية في الوصول وبمهارة الاطار في تشكيل الادراك.
هنا يقف الاعلام لا بوصفه ناقلا للحدث بل بوصفه صانعا للمعنى.
لم يعد السؤال ماذا حدث؟
بل من سبق الى روايته؟
كيف صيغ؟
واي زاوية اختيرت لتكون نافذة الجمهور على الحقيقة.
الاعلام اليوم ليس مرآة عادية هو مرآة واعية تصقلها المسؤولية وتحكمها الامانة.
كل كلمة فيه قد تبني ثقة او تهزها.
كل عنوان قد يرفع معنويات امة او يربك صفوفها.
ان صورة الوطن في الخارج لا تتشكل من الوقائع وحدها بل من الطريقة التي تروى بها ومن اللغة التي تختار لوصفها ومن السياق الذي توضع فيه.
وفي الفضاء الرقمي حيث تختلط الحقيقة بالشائعة وتتجاور المعلومة الدقيقة مع التضليل المتعمد اصبح الاعلام جبهة حقيقية.
حرب بلا دخان لكن اثارها اعمق من الرصاص.
حرب على الوعي وعلى الثقة وعلى الروح المعنوية.
فيها تستخدم المعلومة كسلاح ويستثمر الشك كتكتيك وتوظف السرعة كقوة تحسم المعركة قبل ان تتضح ملامحها.
من هنا لا يعود الاعلام ترفا مؤسسيًا او نشاطًا هامشيًا بل ضرورة سيادية.
هو خط الدفاع الأول عن السرد الوطني والدرع الذي يحمي الهوية من التشويه والعقل الجمعي من الاختطاف.
فالاوطن لا تستهدف فقط في جغرافيتها بل في صورتها.
ولا تهاجم فقط في حدودها بل في سمعتها ومكانتها ووعي ابنائها.
غير ان جوهر المعركة لا يختزل في الصراخ والانفعال.
قوة الاعلام لا تقاس بعلو الصوت بل بعمق الصدق.
الاعلام الوطني الحقيقي لا يجمل الواقع حتى يفقده ملامحه ولا يهوّل التحديات حتى يفقد الناس طمأنينتهم.
هو اعلام يوازن بين الشفافية والمسؤولية وبين كشف الحقيقة وصون المصلحة العامة وبين النقد البناء وحماية الاستقرار.
يعلم ان الثقة رأس ماله وان المصداقية هي سلاحه الأشد فتكًا في وجه الشائعات.
وهنا تبرز قضية لا تقل خطورة عن المعركة ذاتها.
قضية التمييز بين الاعلامي الحقيقي ومن تحول الى مجرد واجهة شهرة.
في زمن المنصات ارتفع صوت ما يسمى مشهور احيانًا فوق صوت المهني.
وتقدم من يملك العلاقات على من يملك الرسالة.
وتصدر من يتقن صناعة الصورة على من افنى عمره في صناعة الوعي.
اختلط معيار التأثير بعدد المتابعين.
وتراجعت قيمة التاريخ المهني امام بريق اللحظة.
لكن الدفاع عن الوطن ليس مهمة عابرة ولا موجة عاطفية ولا مساحة علاقات عامة.
الدفاع عن الوطن عبر الاعلام هو مسيرة عمر والتزام اخلاقي ووقفة ثابتة في وجه العواصف.
هو صوت اختار ان يكون في الصف الاول عندما كان الثمن مرتفعًا لا حين اصبحت الكاميرات اكثر اشراقًا.
هناك إعلاميين افنوا سنواتهم في الميدان.
حملوا القلم في وجه الحملات ووقفوا أمام الشائعات وصمدوا حين كان الصمت أسهل.
لم يبحثوا عن ترند ولم يلهثوا خلف اضواء مؤقتة بل آمنوا ان الكلمة مسؤولية وان الإنتماء موقف.
هؤلاء هم الحصون الصامتة للجبهة الرقمية وان لم تتصدر صورهم المشهد.
ان تكريم الوطن لاعلامييه (الحقيقيين) ليس مجاملة بل ضرورة استراتيجية.
فالمعركة على الوعي تحتاج الى خبرة وتحتاج الى تاريخ من المصداقية وتحتاج الى وجوه يعرفها الناس بثباتها لا بتقلبها.
المؤسسات التي تهمّش أهل التجربة لصالح اهل القرب تضعف جبهتها دون ان تشعر.
لان الولاء العابر لا يصمد في الأزمات بينما المهنية المتجذرة تصمد حين تشتد العواصف.
وفي عصر صار فيه كل مواطن مشروع ناقل خبر تتضاعف المسؤولية.
لم يعد الإعلام محصورًا في غرفة اخبار بل بات في كل هاتف.
وهنا يصبح الوعي المجتمعي شريكًا اساسيًا في حماية الوطن رقميًا.
فالمعركة لم تعد بين مؤسسات فقط بل بين وعي منظم وفوضى معلومات وبين مسؤولية وطنية ونزعة استعراض.
ان الإعلام حين يكون على قدر الوطن يتحول الى قوة الهام.
يصنع الأمل كما يصنع الوعي ويعزز الثقة بان خلف كل ازمة قدرة وخلف كل تحد فرصة.
يروي قصة النجاح بلا غرور ويناقش التحدي بلا تهوين ويؤكد ان الاوطان تبنى بالعمل كما تحمى بالكلمة.
فاذا كانت الجيوش تحرس الحدود فان الإعلام يحرس المعنى.
واذا كانت الاسلحة تحمي الأرض فان الكلمة تحمي الصورة والهوية.
وفي عالم تتسارع فيه الاحداث كما تتسابق الروايات يبقى الإعلام مرآة الوطن التي يجب ان تبقى صافية وجبهته الحربية التي يجب ان تبقى يقظة.
فالكلمة اليوم وطن آخر ومن يملك الكلمة بصدق ومسؤولية يملك جزءًا من المستقبل.