النهار

٢٣ فبراير-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٣ فبراير-٢٠٢٦       20790

بقلم - عبدالمحسن محمد الحارثي

لم تعد كرة القدم مجرّد تسعين دقيقة تُحسم في المستطيل الأخضر، بل غدت مشهدًا مركّبًا تتقاطع فيه التقنية مع الثقة، والقرار مع صورته في وعي الجماهير. 

ومنذ دخول تقنية الفيديو المساعد ؛ اعتقد كثيرون أن زمن الجدل إلى أفول، وأن العدالة وجدت أخيرًا عينًا لا تطرف.

غير أن الجدل لم يتلاشَ، بل تبدّل شكله.
فبدل أن يكون السؤال: هل أخطأ الحكم؟
أصبح السؤال: لماذا بدا القرار باردًا… أو متأخرًا… أو ملتبسًا؟

الثقة - كما تقول الحكمة - تُبنى بالقطرة، وتُهدم بالدلو.
والرياضة - مهما بلغت دقة أدواتها - لا تعيش بالقوانين وحدها، بل بذلك الشعور الجمعي الذي يطمئن إليه الجمهور وهو يرى ميزان المنافسة مستقرًا.

التقنية في ذاتها لا تميل؛ فهي أداة ترى وتعرض وتُحيل..لكن الإشكال لا ينشأ من الشاشة بقدر ما يتشكّل في السياق الذي تُدار فيه..فحين تتكرر لحظات يُفهم منها الفتور أو التردد ؛ يبدأ الانطباع بالتكوّن، ولو غاب الدليل القاطع.

وفي بعض المشاهد ؛ بدا “الفأر” -  ذلك الرمز الصغير الحاسم - وكأنه يصاب ببرودٍ مفاجئ:
يتأخر حيث يُنتظر الحسم،
ويبرد حيث يُطلب الوضوح،
ويتحرك بثقلٍ في لحظاتٍ لا تحتمل الثقل… ويغيب الفأر حين تحتاجه العين أكثر.

تُطرح حينها تفسيرات تقنية مألوفة: خلل عابر، تأخير في الإشارة، ارتباك في الاتصال.
غير أن الجماهير لا تقرأ الأعطال بلغة التقارير؛ إنها تقرأ الأثر. 
ولذا قيل: حين تبرد العدالة ؛ تسخن الشكوك.
ولهذا يتسلل سؤال أكثر حرجًا من كل الأسئلة:
هل كانت المشكلة في التقنية فعلًا… أم في أيادٍ مرتعشة تديرها؟

وهنا تشخص حقيقة لا يصح تجاوزها:
عشرات الآلاف من العيون التي حضرت في المدرّج ليست هامشًا يُهمَل، بل شاهدًا حيًا ينبغي احترامه. 
فالمشهد الذي يُرى من قلب اللحظة ؛ لا يُمحى بسهولة بقرارٍ تقني مقتضب.
فالرياضة ليست عملية يمكن غربلتها مثل التعليم؛ لا تُعطّى بقالبٍ مكشوف، بل تُقاس بالانطباع وبالشعور الجمعي الذي يبقى بعد صافرة النهاية.

ثم تأتي استديوهات التحليل- لا كمجرد مساحة للرأي، بل كذاكرة ثانية للمباراة - تُعيد تفكيك اللقطات، وتُقاربها بهدوءٍ أبعد عن ضغط اللحظة. 
وهناك ؛ قد تتكشف أحيانًا تشوهات بصرية أو تباينات تفسيرية لم تُقرأ جيدًا في حينها، فيتعزز السؤال الحساس: هل كان الخلل في التقنية… أم في اليد التي تديرها؟

فالحياد ليس شعارًا يُرفع، بل قيمة تُرى قبل أن تُقال.
وأخطر ما يربك الثقة أن يلتبس الحد الفاصل بين الحياد وصورته ؛ لأن أخطر الخداع ما يلبس ثوب الحياد.

الرياضة لا تطلب الكمال ؛ لكنها تطلب الاتساق.
ولا تخشى الخطأ بقدر ما تخشى تكراره ؛ لأن العدالة المتأخرة تُربك الإحساس بها، والبرود في لحظة الحسم قد يُقرأ بوصفه انحيازًا غير مقصود، لكنه مُكلف في أثره.

لذا.. النتائج قد تُنسى، أما الشعور فيبقى.
ولهذا تُقاس قوة اللعبة -في الذاكرة الجمعية - بقدر ما تتركه من يقينٍ لا بقدر ما تحسمه من أرقام.

وعندما تتكاثر الأسئلة بلا طمأنة كافية، يبدأ الرمز في التشكّل؛ لا كاتهامٍ مباشر، بل كصورة ذهنية تتكرر في المخيلة العامة: أن في المشهد أشياء صغيرة تتحرك في الظل، وتبدو - أحيانًا - متلونة.

المسألة- في جوهرها - ليست لونًا ولا مباراة، بل ثقة.
فإذا اهتزّت الثقة ؛ لم تعد كثرة الشاشات كافية لإعادتها، ولم تعد البيانات المقتضبة قادرة على ترميمها.

الملاعب التي تريد أن تبقى بيتًا للفرح ؛ تحتاج أكثر من تقنية ؛ تحتاج يقينًا عامًا بأن ما يحدث فيها يُدار بثبات اليد، لا برجفة الظن.
وحين يتحقق ذلك، تعود اللعبة إلى بساطتها الأولى:
منافسة تُحسم بشرف، ونتيجة تُقبل برضا، وجمهور يختلف في الألوان … ويتفق على العدالة.