النهار

٠٧ فبراير-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٧ فبراير-٢٠٢٦       19250

 بقلم - الدكتور محمد الحقيب الغامدي

ليس اللمس فعلا عابرا ولا حركة جسد بلا معنى .
اللمسة الحانية لغة صامتة تفهمها الخلايا قبل الكلمات ويترجمها القلب قبل العقل .
ومن هنا ولدت نظرية التلامس العاطفي لتكشف أن الجلد ليس مجرد غلاف خارجي بل جسر أمان حي وجهاز تواصل اجتماعي دقيق يتفاعل ويشعر ويستجيب .
تعود الجذور الأولى لهذا الفهم إلى تجارب عالم النفس الأمريكي ( هاري هارلو ) في منتصف القرن العشرين حين أثبت أن الرضيع قد يختار حضن القماش على الغذاء إن فقد الحنان وأن الراحة عبر التلامس حاجة بيولوجية أساسية بل قد تتقدم أحيانا على الطعام ذاته . 
لقد أعادت أبحاثه تعريف مفهوم الارتباط وأظهرت أن الجسد يحتاج إلى الحنان كما يحتاج إلى التغذية .
 وقد أطلق هارلو على هذا المفهوم اسم
(Contact Comfort)
أي الراحة الناتجة عن التلامس الجسدي الحاني .
ثم جاء الامتداد العلمي الحديث على يد عالمة الأعصاب الإدراكي البريطانية ( فرانسيس مكجلون ) التي كشفت أن في جلد الإنسان أليافا عصبية متخصصة تعرف بـ
(C Tactile Afferents)
أي الألياف العصبية اللمسية العاطفية .
وهي ألياف لا تستجيب للضغط القوي أو اللمس الخشن بل تنشط حصريا مع اللمس اللطيف البطيء كمسح الرأس والتربيت الحاني وتنقل إلى الدماغ إشارات أمان وطمأنينة لا يمكن للكلمات أن تعوضها .
وهنا يلتقي العلم الحديث مع التصور القرآني التقاء مدهشا .
فالقرآن لم يقدم الجلد بوصفه مادة صامتة بل كيانا شاهدا ناطقا مدركا .
قال الله تعالى : { وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ .
فهذا الجلد الذي يشهد ويسأل وينطق ليس غلافا ميتا بل مخلوق مدرك يحمل ذاكرة الإحساس ويختزن أثر الأفعال والانفعالات .
 وكأن القرآن يقرر منذ قرون أن الجلد ليس جسدا فقط بل وعاء شعور وتفاعل .
وتؤكد نظرية التلامس العاطفي هذا المعنى بلغة المختبر إذ تثبت أن اللمس الحاني يطلق في الدماغ هرمون
(Oxytocin)
أي هرمون الترابط والمحبة والأمان
ويخفض هرمونات القلق والتوتر .
 كما ينشط منطقة في الدماغ تعرف بـ
(Insular Cortex)
أي القشرة الانعزالية
وهي المسؤولة عن الإحساس بالذات والقبول الاجتماعي . 
ويهدئ الجهاز العصبي فتنتظم ضربات القلب ويهدأ الجسد كأن الطمأنينة تسري عبر الجلد إلى أعماق النفس .
وهنا تتجه الأنظار إلى اليتيم .
طفل فقد حضن الأمان قبل أن يفقد المال وافتقد اللمسة قبل أن يفهم معنى الفقد .
لقد سبق الوحي هذه الاكتشافات حين قال الله تعالى :
﴿ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ ﴾ .
نهي عن القسوة وعن كل ما يؤلم النفس والجسد ودعوة إلى اللطف والاحتواء وأعظمه اللمس بمسح رأس اليتيم  .
وقال سبحانه :
﴿ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ﴾ .
أي يدفعه بعنف فجعل الجفاء الجسدي والنفسي علامة خلل في الإيمان .
ثم قال جل شأنه :
﴿ كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ﴾ .
والإكرام هنا يشمل الغذاء ويشمل الكلمة ويشمل اللمسة التي تعيد للجلد وللقلب شعورهما بالأمان .
ويأتي التوجيه النبوي بالغ الدقة والعمق حين أشار النبي ﷺ
في الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن رجلًا شكا إلى النبيِّ – صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم – قَسوةَ قلبِه فقال : امسح رأسَ اليتيمِ وأَطْعِمِ المسكينَ .
إن أردت تليين قلبك فأطعم المسكين وامسح رأس اليتيم .
فالمسح ليس رمزا عاطفيا فقط بل فعل جسدي له أثر عصبي مباشر . وبلغة العلم هو تحفيز لألياف
(C Tactile)
أي الألياف اللمسية العاطفية
وإفراز للأوكسيتوسين وترميم نفسي لطفل انكسر داخله الإحساس بالاحتواء .
وهكذا يتضح أن ما يسميه العلم اليوم
(Affective Touch)
أي التلامس العاطفي .
قد قرره القرآن حين جعل الجلد شاهدا ناطقا ووجهت إليه السنة حين جعلت اللمسة بابا للرحمة وتليين القلوب .
فليس الجلد جمادا وليس المسح حركة عابرة بل رسالة حياة .
وفي زمن تزداد فيه القسوة يظل مسح رأس يتيم تذكيرا عميقا بأن بعض الشفاء يبدأ من الجلد ويصل إلى الروح .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاتة