النهار

٠٣ يناير-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٣ يناير-٢٠٢٦       4510

بقلم - عبدالله الكناني 

تتجسّد ملامح مرحلة سياسية جديدة في اليمن من خلال الترحيب الواضح الذي أبدته المملكة العربية السعودية بمبادرة الحكومة الشرعية، ممثّلة بمجلس القيادة الرئاسي، لعقد مؤتمر جنوبي شامل في الرياض، في خطوة تعكس التزامًا ثابتًا بدعم الشرعية، وتعزيز مسار الاستقرار عبر الحوار الشامل لا عبر فرض الوقائع. 
هذا الترحيب السعودي لا يقتصر على استضافة المؤتمر فحسب، بل يؤكد تبنّي المملكة لمسار سياسي عقلاني يضع القضية الجنوبية في إطارها الوطني والقانوني، ويمنح كافة المكونات الجنوبية فرصة متكافئة للمشاركة في صياغة الحلول. 
ويأتي هذا الموقف في سياق نهج سعودي راسخ يعتبر أن أمن اليمن واستقراره جزء لا يتجزأ من أمن المنطقة، وأن أي معالجة مستدامة للتحديات القائمة يجب أن تنطلق من دعم مؤسسات الدولة الشرعية واحترام مرجعياتها. 
وقد حظيت هذه المبادرة بترحيب إقليمي ودولي واسع، من جامعة الدول العربية ودول مجلس التعاون الخليجي، ما يعكس الثقة المتنامية بدور الرياض كحاضنة للحوار ورافعة للتوافق، في مقابل إخفاق سياسات فرض الأمر الواقع في إنتاج حلول قابلة للحياة. 
وتتحرك الحكومة الشرعية بالتوازي مع هذا المسار السياسي بخطوات ميدانية تعكس استعادة زمام المبادرة، حيث تسجّل قواتها تقدمًا متسارعًا في حضرموت، وسط ترحيب شعبي بوصول قوات درع الوطن، بما يؤكد أن المجتمع المحلي بات أكثر تمسّكًا بخيار الدولة والنظام، وأقل قابلية للانخراط في مشاريع مسلّحة خارج إطار الشرعية. 
هذا القبول المجتمعي يعكس إدراكًا متزايدًا بأن الأمن الحقيقي لا يتحقق إلا من خلال مؤسسات رسمية تحكمها القوانين وتخضع للمساءلة.
 ويبرز في هذا المشهد دور محافظ حضرموت كنموذج للإدارة المحلية المتزنة، التي تتعامل مع الملف الأمني بمنطق الشراكة مع المجتمع والقبائل، وتعمل ضمن سياق الدولة لا خارجها. 
وفي الاتجاه ذاته، يتقدّم موقف محافظ شبوة بوصفه موقفًا قانونيًا واضحًا، حين أعلن دعمه الصريح لجهود التحالف، وتمسّكه بالتنسيق النظامي الكامل، والتنسيق لدخول أي قوات إلى المحافظة ، في تأكيد على أن حماية السلم الأهلي تمر عبر احترام الصلاحيات القانونية ومنع تعدد مراكز القوة.
وتعزّز تصريحات المتحدث باسم تحالف دعم الشرعية هذا المسار، بتأكيده الالتزام بحماية استقرار شبوة ودعم القوات الموجودة فيها، وعدم السماح بدخول أي قوات خارج إطار التنسيق مع السلطة المحلية، بما يرسّخ مبدأ سيادة القانون واحترام المؤسسات. 
كما أن التقدم الذي تحققه قوات درع الوطن نحو ساحل حضرموت، بعد تأمين سيئون وبالتنسيق مع حلف القبائل، يعكس مقاربة أمنية واعية تقوم على الدمج بين الشرعية النظامية والقبول المجتمعي.
ويمثل مؤتمر الرياض المرتقب محطة مفصلية لإعادة ضبط بوصلة المعالجة السياسية للقضية الجنوبية، واختبارًا حقيقيًا لجدية الأطراف في الانتقال من خطاب التصعيد إلى منطق الحوار. 
فالدعوة مفتوحة لكافة المكونات، بما فيها المجلس الانتقالي، للمشاركة في مسار جامع لا يُقصي أحدًا ولا يمنح شرعية لمنطق الفرض بالقوة.
وفي المحصلة، تتشكّل اليوم معادلة جديدة في الجنوب اليمني قوامها الحوار تحت مظلة الشرعية، والأمن المنضبط بالقانون، والدعم السعودي المتوازن الذي يجمع بين الحزم السياسي والرؤية الاستراتيجية. 
وهي معادلة تؤكد أن مستقبل الجنوب لا يُبنى إلا داخل الدولة، وأن الرياض، بترحيبها الصريح بمبادرة الحكومة الشرعية، تمضي في تثبيت هذا الخيار بوصفه الطريق الأكثر واقعية واستدامة.