النهار
بقلم - منى يوسف الغامدي
لم يعد التخطيط في المؤسسات التعليمية إجراءً إدارياً تقليدياً أو وثيقة تُعد للاعتماد الشكلي، بل أصبح اليوم رافعة استراتيجية لصناعة التميز المؤسسي، وبناء الإنسان، وتحقيق الأثر المستدام، خصوصا في ظل التحول الوطني الذي تقوده رؤية السعودية 2030 والتي جعلت من الكفاءة، والجودة، والاستدامة، معايير أساسية للأداء الحكومي والتعليمي.
إن نماذج التميز المؤسسي، وفي مقدمتها نموذج EFQM الأوروبي للتميز؛ ونموذج التميز الحكومي السعودي، تنطلق من قناعة راسخة مفادها أن التخطيط هو القلب النابض لأي مؤسسة ناجحة، وهو الجسر الذي يربط بين الرؤية والنتائج، وبين الطموح والواقع.
في السياق التعليمي، يبرز التخطيط المؤسسي بوصفه أداة لتحويل المدارس والإدارات التعليمية من بيئات تعتمد على الجهود الفردية إلى منظمات تعليمية ناضجة تعمل وفق رؤية واضحة، وأهداف قابلة للقياس، ومبادرات ذات أثر حقيقي.
فالتخطيط وفق EFQM، لا يركز على ما ننجزه فقط، بل على القيمة التي نخلقها للمستفيدين والمجتمع، وعلى النتائج المستدامة التي تبقى حتى مع تغير القيادات.
أما نموذج التميز الحكومي السعودي، فقد عزز هذا التوجه من خلال ربط التخطيط بكفاءة الأداء، وجودة الخدمات، وتحسين تجربة المستفيد، والحوكمة الرشيدة. وهو ما يجعل التخطيط في التعليم مسؤولية قيادية، لا مجرد مهمة تنظيمية، تتطلب وعياً بالتحول الوطني، واستشرافاً للمستقبل، وقدرة على قياس الأثر لا الاكتفاء بعدّ المبادرات.
ويعد الإنسان محور التميز في كلا النموذجين، إذ لا يمكن تحقيق تميز مؤسسي حقيقي دون تخطيط واعٍ ينعكس على النجاح الوظيفي والمهني لمنسوبي التعليم. فحين تُخطط المسارات الوظيفية بوضوح، ويُربط الأداء بالتطوير والتمكين، وتُحتضن المواهب ضمن إطار مؤسسي عادل، يتحول المعلم والقائد من منفذ للمهام إلى شريك في صناعة النجاح.
كما أن التخطيط المؤسسي الواعي لا يغفل البعد الإنساني في بيئات العمل التعليمية، بل يضع جودة الحياة الوظيفية، والاستقرار النفسي، والعدالة التنظيمية، في صميم العملية التخطيطية. وهو ما ينسجم مع مستهدفات رؤية 2030 في بناء بيئات عمل جاذبة ومحفزة، تعزز الانتماء، وترفع مستوى الرضا الوظيفي، وتدعم الاستدامة.
إن الأثر المستدام، وهو الغاية الكبرى لنماذج التميز، لا يتحقق إلا عندما يكون التخطيط ثقافة مؤسسية، لا ممارسة موسمية. فالمبادرات التي تُبنى على تخطيط علمي، وتُنفذ ضمن منظومة حوكمة واضحة، هي الأقدر على الاستمرار، ونقل المعرفة، وتراكم الإنجازات، وتعزيز ثقة المجتمع في التعليم.
ختاماً، يمكن القول إن التخطيط المؤسسي في التعليم لم يعد رفاهاً إدارياً ولا خياراً تنظيمياً بل هو مسؤولية وطنية تقاس بقدرتها على صناعة الإنسان قبل صناعة الأنظمة وعلى تحويل الرؤية إلى أثر، والعمل إلى قيمة، والجهد إلى انجاز مستدام. حين تتكامل ممارسات التخطيط مع نماذج التميز المؤسسي، يصبح التعليم رافعة للتنمية، والقيادة صانعة للأثر، والمؤسسة التعليمية شريكا فاعلا في تحقيق مستهدفات رؤية السعودية 2030
(التخطيط الذي لا يصنع إنساناً، ولا يترك أثراً... ليس تخطيطاً، بل إجراء عابر في طريق التميز)
(التميز المؤسسي يبدأ بخطة واعية ... وينتهي بأثر لا يزول)