النهار

٠٣ يناير-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٣ يناير-٢٠٢٦       5775

بقلم - الدكتور/ محمد الحقيب الغامدي

في أواخر القرن العشرين برز في الولايات المتحدة عالم النفس الأمريكي ستيفن هايز الذي تخرج من جامعة فيرجينيا وأصبح لاحقاً أحد أبرز الأسماء في علم النفس الحديث .
وفي عام 1999م قدّم للعالم نظرية لافتة أطلق عليها اسم ( نظرية التقبّل والالتزام ) وهي نظرية أحدثت تحولاً في فهم الإنسان لنفسه ولتعاطيه مع الألم والمعاناة .
هذه النظرية لا تطلب من الإنسان أن يكون سعيداً على الدوام ولا تدعوه إلى إنكار الحزن أو القلق بل تقول له بوضوح :
لا تهدر حياتك في صراع دائم مع مشاعرك المؤلمة وأفكارك المقلقة اقبل وجودها كما هي ثم واصل السير في حياتك ملتزماً بقيمك وأهدافك .
غير أن المتأمل بعمق يكتشف أن هذا الاكتشاف الحديث ليس غريباً عن تراثنا بل هو في جوهره امتداد لمعنى أصيل جاء به الإسلام منذ أكثر من أربعة عشر قرنا .
فالوحي منذ بداياته رسخ في النفوس معنى الرضا بالقضاء والقدر وهو أعلى صور التقبل النفسي حيث لا يلغى الألم ولا يُقدّس بل يُوضع في مكانه الصحيح .
فالقرآن الكريم لم يطالب الإنسان بتجميد مشاعره أو إلغاء حزنه وإنما علمه ميزان الاتزان كما في قوله تعالى :
﴿ لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ﴾
وهو المعنى نفسه الذي تتحدث عنه النظرية الحديثة فيما يُعرف بـ[ الفصل المعرفي ] .
 ألا يغرق الإنسان في ألم الماضي ولا يُفتن بزينة اللحظة بل يبقى متوازناً حاضر القلب .
وحين ننتقل من النص إلى التطبيق نجد في سيرة النبي ﷺ أرقى النماذج العملية لهذا المعنى .
ففي رحلة الطائف وبعد ما لقيه من أذى وتع، لم ينشغل بمصارعة الألم أو الاستسلام لليأس بل عبر عن تقبله الكامل لما قضاه الله ثم مضى ثابتاً في طريق الدعوة ملتزماً برسالته وقيمه .
وفي لحظة وفاة ابنه إبراهيم لم ينكر دمع العين ولا حزن القلب بل سمح للمشاعر أن تظهر بصدق إنساني مع بقاء اللسان ذاكراً والقلب مطمئناً في صورة بديعة من التقبل مع الالتزام .
إن الهدف الذي تسعى إليه هذه النظرية في علم النفس الحديث هو تحقيق المرونة النفسية حتى لا تنكسر روح الإنسان أمام تقلبات الحياة .
لكننا حين ننظر في عمق تعاليم الإسلام نجد أن هذا الصمود النفسي ليس مجرد مهارة حياتية بل هو جزء من العبادة ومن صدق التوحيد والإيمان بالقدر خيره وشره .
لقد سبق الإسلام هذه المدارس الفكرية بقرون طويلة، حين علّم الإنسان أن الألم جزء من الرحلة .
وأن السلام الداخلي لا يولد من الهروب من الأوجاع بل من احتضانها بإيمان مع الاستمرار في السير نحو الغاية التي يرضاها الله للإنسان .