النهار
بقلم - أ / تركي عبدالرحمن
في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث وتتداخل فيه المصالح، وتشتد فيه صراعات النفوذ، تبرز المملكة العربية السعودية بوصفها لاعبًا محوريًا لا يمكن تجاوزه، لا في معادلات الإقليم ولا في حسابات العالم. فالمشهد الراهن، بما يحمله من اضطرابات سياسية وأمنية، يكشف بوضوح أن هناك دولًا تُدفع إلى ردود أفعال، ودولًا أخرى تصنع الفعل وتتحكم في إيقاعه، والمملكة تنتمي إلى الفئة الثانية، حيث الحكمة لا تنفصل عن القوة، والرؤية لا تُدار بردة فعل، بل بقراءة عميقة للمستقبل.
لقد أثبتت الأحداث الأخيرة أن المملكة لا تتحرك تحت ضغط الضجيج، ولا تنجر خلف الاستفزازات، بل تُحسن اختيار التوقيت، وتُجيد استخدام أدواتها السياسية والعسكرية والاقتصادية بقدر محسوب. هذا الاتزان لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج تراكم خبرة دولة، ووعي قيادة، وإدراك دقيق لطبيعة المرحلة وتعقيداتها. ففي عالمٍ باتت فيه القرارات المتسرعة سببًا في إشعال الحروب، قدّمت المملكة نموذجًا مختلفًا في إدارة الأزمات، نموذجًا يجمع بين الصبر الاستراتيجي والجاهزية الكاملة.
القوة السعودية ليست شعارًا يُرفع، بل واقعًا تُدركه العواصم قبل الشعوب. ترسانة عسكرية متطورة، منظومات دفاعية وهجومية حديثة، وقدرات تقنية واستخباراتية متقدمة، كلها تشكل جزءًا من منظومة متكاملة لم يُستخدم منها إلا القليل. هذا “القليل” كان كافيًا لإيصال الرسائل، وردع التهديدات، وحماية الأمن الوطني والإقليمي، فكيف لو استُخدمت كامل الأدوات؟ هذا السؤال وحده كفيل بأن يوضح حجم الثقل الذي تمثله المملكة في ميزان القوة.
ومع ذلك، فإن جوهر القوة السعودية لا يكمن فقط في السلاح، بل في حسن توظيفه، وفي تقديم السياسة على الصدام متى ما كان ذلك ممكنًا. فالمملكة تدرك أن الأمن الحقيقي لا يُبنى على الدمار، بل على الاستقرار، وأن حماية المصالح لا تعني الانجرار إلى الفوضى. من هنا جاء دورها المحوري في تهدئة الأزمات، وفتح قنوات الحوار، والعمل على منع الانفجار الشامل في منطقة أنهكتها الصراعات.
في قلب هذا المشهد، يبرز دور صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء، بوصفه قائد مرحلة، يجمع بين قوة القرار وحلم الدولة. شخصية قيادية لا تعرف التردد، لكنها لا تتخلى عن التعقل، حازم حين يتطلب الموقف الحزم، وحكيم حين يكون الصبر هو الخيار الأكثر تأثيرًا. هذه الثنائية النادرة جعلت من القيادة السعودية اليوم عنصر توازن لا غنى عنه، ورسخت صورة المملكة كدولة لا تُستفز، ولا تُجبر، ولا تُدار من الخارج.
لقد أعاد الأمير محمد بن سلمان تعريف مفهوم القوة في المنطقة، فلم تعد قوة استعراضية، بل قوة تُنتج استقرارًا، وتحمي السيادة، وتفرض الاحترام. قوة قادرة على الردع، لكنها تفضّل البناء، وقادرة على المواجهة، لكنها تختار السلام العادل متى ما كان ذلك يخدم مصالح الأمة. ومن هنا، لم يكن مستغربًا أن تُحسب خطوات المملكة بدقة في كل ملف، وأن يُنظر إلى مواقفها بوصفها مرجعية عقلانية في زمن الاضطراب.
وفي ختام المشهد، يمكن القول بثقة إن المملكة العربية السعودية ليست مجرد دولة فاعلة في الأحداث الأخيرة، بل هي صمام الأمان للعرب والمسلمين، وركيزة الاستقرار في إقليم مضطرب. تمتلك من القوة ما يكفي لحسم أي معركة، ومن الحكمة ما يكفي لتجنبها، ومن القيادة ما يجعلها حاضرة بقوة في كل منعطف تاريخي. إنها دولة تعرف متى تتقدم، ومتى تصبر، ومتى تقول كلمتها، وحين تقولها تُسمع .