صفوت محمود

٠٨ سبتمبر-٢٠٢٣

الكاتب : صفوت محمود
التاريخ: ٠٨ سبتمبر-٢٠٢٣       40920

بعد الفراق

بقلم/ صفوت محمود

رغم الحب.. قد يصبح استمرار الحياة بين الزوجين في بعض الأحيان أمراًصعباً يصل إلى حد المستحيل.. وتتعدد الأسباب.. فيصبح الانفصال هو الخيار الأوحد.. والخيار الأوحد هو اختيار وإصرار من أحد الأطراف كمُسكِن وقتي دون النظر إلى تبعات هذا الخيار ودون النظر إلى جذوة الحب التي قد تزداد اشتعالاً بعد الفراق، ودون توقع لحالة الندم وجلد الذات وحالة الصراع الرهيبة التي ستجتاح النفس. هذه الحالة النفسية والمزاجية والعاطفية المعقدة صاغها ورسمها وصورها وعبر عنها الشاعر الجميل الرقيق كريم العراقي، في أغنية حملت اسم (مدينة الحب) لحنها وغناها المطرب الكبير كاظم الساهر، الأغنية هي دمج بين أبيات قصيدتين الأولى باسم (مدينة الحب) والثانية باسم (بعد الفراق)، القصيدة الأولى تناول فيها الشاعر الخراب والدمار الذي لحق بمدينة بغداد الجميلة إبان الصراع الطائفي، والقصيدة الثانية تناولت حالة الفراق بين زوجين وما حدث للزوج العاشق بعد الفراق. وأنا شخصياً أحب أن يكون اسم الأغنية (بعد الفراق) عكس المتداول والمعروف، ذلك لأن الموضوع الأبرز في القصيدة هو الحالة النفسية والعاطفية للعاشق بعد الفراق، وأرى أن الدمج بين القصيدتين واختيار بعض أبيات قصيدة (مدينة الحب) لتكون مطلعاً وبداية للأغنية، عملاً عبقرياً من "كريم" و"كاظم" وإسقاطاً جميلاً لحال بيئة (الفراق) وما حدث لها من تدمير وخراب وما أصاب النفس من خراب وتدمير أكبر.

مدينة الحب: أمشي في شوارعكِ
وأنا أرى الحبَ محمولاً بأكفانِ
صبوا العذاب كما شئتم على جسدي
فلا شهود على تعذيب سجانِ

حالة صادمة بدأت بها القصيدة.. حالة من اليأس والندم وتعنيف الذات لبطل القصيدة لدرجة دعوته للآخرين بـ (صب العذاب على جسده) مع التأكيد على عدم إدانتهم بسبب عدم وجود شهود عيان على التعذيب.. منتهى اليأس والاستسلام.. فماذا حدث وما سبب هذه الحالة؟

رجعت للدار أمشي فوق نيراني
كفاً لكفٍ، يقود خطايا حرماني 

هل من مجيب؟ أنا في الباب منتظراً
لا أحمل الورد، أحمل طوق أحزاني

هنا نعرف أن حالة الحرمان والحزن التي أعقبت مشاعر اليأس وتعنيف الذات وترهيبها كان بسبب حالة (الفقد).. هنا اتضحت الصورة.. فمن (فقد)بطل الحكاية ومن فارق؟ ومن كان يتمنى أن يجيبه وهو يطرق الأبواب؟ ولمن كان يحمل الورود في الماضي؟

ذهبت مع الريح، فاصحوا يا مُدللها
كأسٌ هي الآن بيديَّ عاشقٍ ثاني
عينايَ شفتايَ أعصابي خيالي دمي
يبحثون عنها بين أحضاني
قلبوا الأثاث وضجوا حول صورتها
متظاهرين كشعبِ خلف قضبانِ
نريدها اليوم شمعتنا حبيبتنا

لا زاد لا نوم عصيان بعصيانِ

وفي صورة شعرية جميلة بالغة الروعة تتضح المأساة أكثر وأكثر.. فقد فارق الزوج العاشق توأم روحه وحبيبته.. زوجته، التي ذهبت أدراج الريح وأصبحت زوجة في أحضان زوج آخر يدللها مثلما كان يفعل الأول، ولا أمل في عودتها وأصبح فراقها بمثابة فراق الروح للجسد.. كل حواس الزوج العاشق تبحث عنها في أركان المنزل وبين أحضانه فلم يجدوها.. وهم يعرفون من كان سبباً في فقدها ومن كان سبباً في فراقها وهجران عشها، فيتجمعون جميعاً حول صورتها ويثورون ويتظاهرون ويقلبون أثاث المنزل ويعلنون العصيان في وجه العاصي مطالبين بعودتها لتكون حبيبة وشمعة مضيئة مثلما كانت في الماضي.. حالة وجدانية مريرة ومأساة حقيقية تفوق أي طاقة نفسية.

يا أيها القوم يا جسدي وعاطفتي
كفى ملاماً فجلد الذاتِ أدماني
صفعت وجهي أهذا يا زمان أنا؟

أذلني الحب.. أخرسني وأعماني

محاولاً تهدئة ثورة حواسه التي أعلنت العصيان، يستعطف بطل الحكايةالثوار والمتظاهرين ويناديهم ويرجوهم تهدئة ثورتهم وإنهاء حالة العصيانوحالة اللوم، موضحاً أن جلد الذات أنهك روحه وجسده، ومع ذلك يعود لجلد ذاته بذاته مستحقراً ذاته لفعلته لدرجة صفع نفسه مستغرباً ذاته وكأنه لا يعرفها، معلناً وملقياً اللوم على (الحب) الذي أذله وأخرسه وأعماه.. حالة من الصراع النفسي تفوق قدرات أي نفس بشرية.. عذاب ما بعده عذاب.

بعد الفراق رأيتُ الصبرَ شيعني
في صحوةِ الفجر أمشي مشي سكرانِ
يُخيفني الليل والذكرى تعذبني
وحارب النوم ذاكرتي وأجفاني

هذا هو حال صاحب الحكاية بعد الفراق.. مرارة وانكسار واستسلام.. فقد خلا نهاره من الصحوة وخلا ليله من الهدوء والسكينة وأصبح مصدراً لخوفه بسبب طوفان الذكرى والذكريات الذي يداهمه كل ليلة ويحرمه النوم.. كان الله في عون كل من مر بهذه التجربة.

لكن: (بعد الفراق).. سيظل الشاعر كريم العراقي، الذي غادر دنيانا منذ أيام، باقياً في وجداننا، فلم أجد كلمات أرثيه بها غير ما كتبته ربما أكون قد نجحت في تبيان جمال أشعاره.. فقد كان لي شرف معرفته ولقاءه في أكثر من مناسبة، كان إنسان بالغ الرقة والعذوبة كأشعاره.. فهو شاعر بحق لا يشبه أحداً ولا يُشبُهه أحد.. هو حالة وجدانية خاصة جداً.. بسيطة ومعقدة.. رحمه الله وغفر له.