الكاتب : النهار
التاريخ: ١١ يوليو-٢٠٢٥       15455

بقلم: صفوت محمود

في أحد ليالي شهر يناير الباردة، كان الطفل ذو الثمانية ربيعاً يغط في نوم عميق استعداداً للاستيقاظ مبكراً للذهاب إلى مدرسته، كانت أيامه السابقة تشبه بعضها البعض.. لا جديد.. كانت ساعات النهار تمر في قلق أما ساعات الليل الأولى فقد كان يملؤها الوحشة ومرارة الفقد.. فقد سافر والده مغادراً الأوطان.. لا يعرف سبباً لذلك.. ولا يعرف متى عودته.. داخله أسئلة عديدة لا يعرف لها إجابة.. كانت مشاعر الوحشة والشجن تكسو ملامح وجهه.. كان لا يستطيع ولا يعرف أن يبوح بما يؤلمه.. شهور عديدة مرت بدون والده.. مصدر الطمأنينة ودرع الحماية والأمان.. كل شيء تغير وتبدل منذ أن غادر الوطن.. كانت والدته تسرف في إجراءات تأمين الشقة عقب أذان العشاء.. فقد تم تركيب مزيداً من أدوات إحكام غلق باب الشقة من الداخل.. انتقلت مشاعر الوحدة والخوف والقلق والوحشة من والدته إليه.

كان يشاهد دموع والدته حين تتسلل أغنية وردة الجزائرية (بلاش تفارق) إلى مسامعها عبر الإذاعة التي كانت تعشقها.. كانت تجتهد في أن تداري دمعة فلتت على استحياء.. كان يشعر بحرارتها لكنه لا يعرف كيف يواسيها ولو بكلمة.

استيقظ الطفل من نومه العميق في تلك الليلة على أنفاس حارة تداعب وجهه وقبلات كثيرة لا تنقطع.. عاد والده إلى الأوطان بعد غياب بضعة أشهر.. ومنذ تلك الليلة عاد الأمان والدفء إلى منزلنا.

أذكر جيداً الهدايا التي أهدانا بها والدي أنا وإخوتي.. لكن أكثر ما أتذكره هو كم شرائط الكاسيت التي كانت معه من تلاوات نادرة للشيخ مصطفى إسماعيل رحمه الله وأغاني وردة الجزائرية ومن بينها أغاني (والله يا مصر زمان) و(بلاش تفارق) و(العيون السود) و(جيت في وقتك). 

ومنذ ذلك الوقت ارتبطتُ وجدانياً بأغاني وردة الجزائرية وخصوصاً تلك التي لحنها لها بليغ حمدي.. وكثيراً ما كنت وأنا طفلاً استمع إلى حوارات والدتي ووالدي عن زواج بليغ ووردة وطلاقهما والشائعات التي كانت تحاصر قصة الزواج والانفصال.

وعلى مدار أعوام كثيرة اكتشفت فيها أن جميع ألحان بليغ حمدي لزوجته وردة الجزائرية لم تكن مجرد أغاني فقط بل كانت قصة حب عميقة وقصة حياة كاملة بينهما.. كانت كل أغنية تعبر عن موقف ما أو حدث ما.. وكثيراً ما عبر بليغ في ألحانه عن مشاعر الفقد والوحشة بعد أن غادرت وردة الجزائرية مصر فجأة وتزوجت من مواطنها الجزائري جمال قصري وأنجبت وعاشت حياة هادئة في بلدها بعيداً عن ضجيج الشهرة والفن.

لكن بليغ لم يفقد الأمل في أن تجمعه الظروف بها يوماً ما.. لدرجة أنه كتب مطلع أغنية (العيون السود) التي تنبأ فيها بأن تجمعه الأقدار يوماً ما بمن هواها القلب.. وهي أمنية تكاد تكون أمنية مستحيلة وخيال مجنون.. لكنه حدث.

كان زوج وردة الجزائرية يشغل منصباً مهماً في الجزائر وكان على علاقة مباشرة بالرئيس الجزائري هواري بومدين الذي طلب منه أن تغني وردة في حفل عيد استقلال الجزائر وقد قبل على مضض فقد كانت وردة قد اعتزلت الفن.. رشحت وردة رياض السنباطي للسفر إليها في الجزائر لتلحين القصيدة الوطنية (أدعوك يا أملي) من كلمات الشاعر الجزائري صالح خرفي.. ولظروف مرض رياض السنباطي واستحالة سفره قام بترشيح بليغ حمدي للسفر والتلحين يدلاً منه.. وهكذا جمعت الأقدار بين بليغ ووردة مرة أخرى.. رجع بليغ حمدي إلى مصر وبعد مرور عام تقريباً دبت الخلافات بين وردة وزوجها وانفصلا بسبب إصرارها على العودة إلى الفن والغناء.. وعادت وردة إلى القاهرة وتزوجت بليغ وتحققت أمنيته المستحيلة وصدق إحساسه وصدقت تنبؤاته.

عقب عودة وردة إلى مصر.. أخرج بليغ حمدي أغنية (العيون السود) من درج مكتبه ومن إحساسه.. والتي كان قد كتب مطلعها وأكمل محمد حمزة صديق عمره كلمات الأغنية بإحساس بليغ.. كان بليغ قد لحن الأغنية كاملة وكان يغنيها في جلسات خاصة.. وعلى مدار أكثر من ثمانية أعوام كان بليغ يرفض بشدة أن يغنيها أحد، منتظراً أن تتحقق الأمنية المستحيلة وتغنيها وردة.

وفي صيف عام 1972م وقفت وردة على مسرح حفل أضواء المدينة، عقب عودتها إلى مصر، لتغني أغنيتين من ألحان بليغ (والله يا مصر زمان) و(العيون السود).. كانت كلمات الأغنية تفضح إحساس بليغ وأمنياته المستحيلة.. وكان المقربون منه يعرفون من يقصد بتلك الكلمات:

وعملت ايه فينا السنين؟

فرقتنا؟ لا.. غيرتنا؟ لا..

ولا دوبت فينا الحنين السنين..

لا الزمان ولا المكان 

قدروا يخلو حبنا ده يبقى كان

وبحبك والله بحبك 

أد العيون السود أحبك

وانت عارف أد إيه كتيرة وجميلة

العيون السود (في بلدنا) يا حبيبي..

حين أستمع لهذه الأغنية أتذكر طفولتي وشبابي.. تتزاحم وتتصارع في ذاكرتي الذكريات والشجون.. أتذكر أيام الدفء والأمان.. أشعر بآلام الفقد والوحشة بعد فقدان والدي ووالدتي رحمهما الله.

وفي كل ليلة باردة.. ما زلت أحلم بأنفاس حارة تداعب وجهي وقبلات كثيرة لا تنقطع توقظني من نومي المتقطع.. ما زلت أشتاق إلى دمعة حائرة فلتت على استحياء.