الكاتب : النهار
التاريخ: ٠١ فبراير-٢٠٢٦       1925

بقلم- الصادق جادالمولى
 تبدأ الحكاية من مشهد واحد واضح؛ حادث إنساني موجع توقّفت عنده مدينة بريدة ليس لتعداد تفاصيله، ولكن لطرح سؤال عمّا بعده، وفي تلك اللحظة خرج الحدث من كونه خبرًا عابرًا، ودخل مساحة أوسع تتعلّق بكيف تتصرّف القيادة حين يطرق الألم باب الناس وفجأة هنا ظهر موقف صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن مشعل بن سعود بن عبدالعزيز أمير منطقة القصيم بوصفه امتدادًا طبيعيًا لفكرة القرب لا استجابة استثنائية.
ما منح المشهد ثقله لم يكن فداحة الواقعة وحدها الذي صنع الفرق كان ما تلاها؛ فالزيارة التي قام بها أمير القصيم إلى الطفلة السودانية العنود الطريفي بالمستشفى جاءت خالية من اللغة الرسمية، وغير مثقلة بالتفاصيل الإجرائية، نعم بدت قصيرة في زمنها ولكنها عميقة في معناها، وضعت الطمأنينة في موقعها الصحيح، وأعادت تعريف العلاقة بين المسؤول والإنسان حتى لو كان مقيمًا في لحظة يحتاج فيها الثاني إلى من يراه أكثر من أي خطاب.
وداخل الغرفة بدا كل شيء واضحًا وبسيطًا حضور هادئ وإنصات صادق، وإحساس بأن الألم شأن إنساني مشترك لا يُترك لصاحبه وحده، ففي مثل هذه اللحظات تستعيد المناصب معناها الأول، وتسقط الحواجز غير المرئية التي تصنعها المسافة، وهنا لا تعود للصور أهمية، ولا للكلمات المصقولة ضرورة لأن الفعل نفسه يقول ما يكفي.
من هذه النقطة تحديدًا بدأ الأثر يتجاوز المكان لأن القصة عبرت من القصيم إلى السودان من غير وسائط، واستُقبلت هناك بموجة محبة صادقة، زلم تكن ردود الفعل احتفاءً عابرًا بقدر ما كانت تعبيرًا وجدانيًا عن شعور جمعي رأى في الموقف معنى للأخوّة، وصورة لدولة تعرف كيف تكون حاضرة حين يُختبر المعنى الإنساني للعلاقة بين الشعوب.
اللافت أن هذا التفاعل جاء هادئًا في لغته، عميقًا في دلالته متمثلًا في كلمات امتنان، ودعوات صادقة، ونصوص كتبها الناس كما يشعرون لا كما يُنتظر منهم، وذلك لأن الفعل كان واضحًا بما يكفي لم يحتج إلى شرح، وتعليل ذلك يكمن في أنه حين تكون الرسالة صافية تصل وحدها، لذا تحوّلت الزيارة إلى رمز يتجاوز زمنها القصير، ولعل هذا المشهد ينسجم مع مسار معروف عن الأمير فيصل بن مشعل مسار يتقدّم فيه الإنسان على التفاصيل، وتُدار فيه المسؤولية بهدوء وثقة نابعة عن فهم عميق أن الاستقرار لا تصنعه القرارات وحدها بقدر ما تصنعه الطمأنينة، وأن القرب في لحظات معينة أبلغ من أي بيان،  لذلك بدا الموقف طبيعيًا ومنسجمًا مع نهج طويل لا يبحث عن الضوء.
وفي هذه الحكاية لم تكن القصيم مجرد مكان كانت حالة اتزان، ولم يكن السودان طرفًا بعيدًا كان شريكًا وجدانيًا في لحظة إنسانية صافية، وهكذا تُبنى الجسور التي لا تُرى من لفتة محسوبة بالقلب، ومن توقيت يعرف متى يتقدّم المعنى على كل ما عداه.
وفي زمن تتكاثر فيه الأخبار وتتشابه العناوين، تبقى بعض المواقف قادرة على البقاء؛ ليس لأنها كبيرة في حجمها، وإنما لأنها دقيقة في معناها، والدليل أن زيارة واحدة صنعت أثرًا ممتدًا، وذكّرت بأن القيادة حين تختار القرب تختار الطريق الأقصر إلى القلوب، وحين يُعاد النظر إلى هذه المرحلة لاحقًا سيجد من يكتب عنها أن بعض الصفحات كُتبت بالفعل قبل أن تُكتب بالكلمات، وأن بعض المواقف قالت كل شيء من دون حاجة إلى تكرار، وهناك في تلك المسافة الهادئة بين الألم والمواساة، ترك أمير القصيم أثرًا فهمه الناس فورًا واحتفظت به القلوب كما هو.