النهار

٠١ فبراير-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٠١ فبراير-٢٠٢٦       4235

بقلم - عيسى المزمومي

ليست قسوة الحياة في صدماتها وحدها، بل في سرعتها التي لا تمنحنا فرصة للفهم. فنحن ننتقل من دهليز إلى آخر، لا لأن الطريق مظلم، بل لأننا نمشي دون توقف كافٍ للتأمّل. وحين يثقل الواقع أكثر مما نحتمل، لا يكون الخلاص في الهروب، بل في الوقوف المؤقت؛ في مراجعة الذات، وفي إعادة النظر قبل أن تتحول قراراتنا إلى أعباء إضافية نصنعها بأيدينا!

التأمّل ليس حالة انعزال عن العالم، بل هو أعلى درجات الحضور فيه. هو أن تمتلك الشجاعة لتسأل نفسك: لماذا وصلت إلى هنا؟ وكيف؟ وما الذي يمكن تغييره؟ في زمن يُكافئ العجلة، يصبح التفكير الهادئ فعلًا معاكسًا للتيار، لكنه الفعل الوحيد القادر على إنقاذ الإنسان من الوقوع المتكرر في الأخطاء ذاتها.

كثير من الانكسارات لا تصنعها الظروف، بل ردود أفعالنا تجاهها. الخسارة، الفشل، أو الخيبة ليست نهاية الطريق، لكنها اختبار لطريقة تفكيرنا. فالعقل غير المتأمّل يتعامل مع الألم كعدو، بينما العقل الواعي يراه رسالة. ومن هنا تبدأ الحكمة: حين نفهم أن ما يحدث لنا ليس دائمًا ضدنا، بل أحيانًا من أجل أن نعيد ترتيب حياتنا من جديد!

لقد علّمتنا الفلسفة أن الإنسان لا يُقاس بما يمرّ به، بل بكيفية فهمه لما يمرّ به. فالقرارات المتسرعة غالبًا ما تكون محاولة للهروب من الألم، لا حلًا له. أما التأمّل، فهو مواجهة صادقة مع الذات، بلا تبرير، ولا أقنعة. مواجهة قد تكون مؤلمة في بدايتها، لكنها أكثر رحمة على المدى البعيد.

في عالم تحكمه الشاشات، وتُختزل فيه التجارب الإنسانية في ردود أفعال سريعة، أصبح التفكير العميق عملة نادرة. ومع ذلك، فإن استعادة هذه القدرة ليست مستحيلة. لحظات الصمت، الكتابة، أو حتى الجلوس مع النفس دون ضجيج، قادرة على إعادة تشكيل وعينا، وجعلنا أكثر انتباهًا لمساراتنا قبل أن ننحرف عنها.

التأمّل لا يغيّر الواقع مباشرة، لكنه يغيّر زاوية النظر إليه، ومن هنا يبدأ التغيير الحقيقي. فمن يرى بوضوح، يختار بحكمة. ومن يختار بحكمة، يقلل من خسائره، حتى في أصعب الظروف. وهكذا تتحوّل التجارب القاسية من ندوب في الذاكرة إلى دروس في الوعي.

ختامًا، حين تشعر أن الحياة تضيق، لا تُسارع بالقرار، ولا تُراهن على الاندفاع. توقّف. تأمّل. أعد حساباتك بهدوء. فالحياة لا تُقاس بعدد ما ننجزه بسرعة، بل بعمق ما نفهمه ونحن نمضي. فالحكمة ليست أن تعيش أكثر، بل أن تعي أكثر!