النهار

٣١ يناير-٢٠٢٦

الكاتب : النهار
التاريخ: ٣١ يناير-٢٠٢٦       5115

بقلم - جمعان الكرت

تعودتُ في الصباحاتِ الباكرةِ غسلَ وجهي بماءٍ بارد، أسكبه من صفيحةٍ معدنيةٍ تبقى عاريةً طوالَ المساء. والدي يغسل أذنيَّ بدعاءٍ أبيض يوجِّهه نحو السماء: «أصبحنا وأصبح الملكُ لله.. يا رزّاق يا كريم». في المجلس سفرةٌ صغيرةٌ يتحلّق حولها أهلي، تعدّها أمي بصحن تمر، ودلّة قهوة، وكِسَرٍ صغيرةٍ من خبز الحنطة. نرتشف فنجانَي القهوة، ونأكل التمر وما صاحبه من غذاء. لم ينفكّ لسانُ أمي من دعاءٍ لي ولأشقائي بالنجاح في المدرسة، والتوفيق في الحياة. كلماتُها بلسمٌ يعيدُ لنا حيويتنا.

دعاني والدي لأذهبَ بصحبته إلى المزرعة. أثناء هبوطنا نحو الوادي لمحتُ القرية؛ وقتها كان ينبعث من أسقفها دخانُ الحطب الذي أضرمته الأسر لصنع الخبز. وأثناء سيرنا كانت النباتات تمدّ أغصانها في ممرات الطرق، مما يضيّق على الماشي. اصطبغت جدرانُ المصاطب الزراعية بنباتاتٍ التصقت بها على شكل دوائر صغيرة. كنتُ أتسلّى بها؛ حيث أضعها على فمي لأُحدِث صفيرًا ممتعًا، عرفتُ فيما بعد أنه نباتُ الطباق.

أتتبّع خطى والدي كخيطِ الإبرة حتى وصلنا إلى المزرعة. سنابلُ القمح ملأى بالحبوب انتظارًا لسدّ الأفواه الجائعة.

يمتدّ حدُّ المرجل في عيدان السنابل لتطرحها أرضًا. عزيمةُ والدي والذين يساعدونه من أقاربنا كافيةٌ لصرم كامل المزرعة. خصّص لي تجميعَ مصفوفات عيدان الحنطة على شكل حزمٍ صغيرة؛ لينعطف والدي بين الحين والآخر لجمعها ولفّها في حزمةٍ كبيرةٍ بربطها بحبالٍ مصنوعةٍ من ذات سيقان الحنطة. استمرّ العمل لتأتيَ والدتي بوجبةٍ ملأنا بطوننا من لبابة الخبز وقراشتها التي نغمسها في جوف الطاستين الصغيرتين المملوءتين بالسمن والحقينة.

كانت الشمسُ تتحرّك كبندول الساعة نحو المغيب. استنهض والدي عزيمتنا لنحمل ما صرمناه ونتجه صوب القرية، لتكون نهايتُها في جرينٍ يستوعب كلَّ ما أنتجته مزارعُنا. بعد أيامٍ من تجفيف سنابل القمح وقف ثوران أحمران استأجرهما أبي لدرس الحبوب. وثق رقبتي الثورين بحبالٍ لتصل إلى قطعةٍ من الحجر مليئةٍ بالتجويفات استعدادًا للهرس. بدأت الخورمة تهرس ما يُصادفها، فيما راح والدي يجمع حزمَ الحنطة أمام الثورين لتهتك تلك القطعةَ الحجريةَ الصلبةَ التي أمامهما. استمرّ الثوران في عملٍ شاقٍّ طوال الظهيرة. تأكّد والدي من هرس العيدان بمدّ يده وأخذ حفنةٍ قليلةٍ ورفعها إلى الأعلى لتتساقط حبوبٌ حمراء، فيما تطاير التبن مع تيار الهواء. جاء دورُ التذرية ليتجمّعَ الحبوبُ على شكل أكوامٍ صغيرة، فيما يتطاير التبن في مواقع غير بعيدة، لتصل في أحايين إلى تجويفات المنازل الحجرية المجاورة. حملتُ ورفاقي الصغار التبنَ في قفافٍ إلى السفل ليبقى علفًا للحيوانات طوال العام.

رغم الكمية الوفيرة من التبن، إلّا أنّها لم تكن طعامًا شهيًّا لبقرتنا التي تعافه، مستبدلةً به برسيمًا أخضر يُقدَّم لها في لفافات بعد استمالة عطفها. بقرتنا هي رأسُ مالنا؛ تنتج اللبنَ والسمنَ والزبدة، وبعدها يمكن أن تكون غذاءً يستمرّ لعدة أشهر بعد قَصْل لحمها.

أشعر بسعادةٍ حين تُسند إليَّ مهمةُ مخضِ الحليب الذي نجمعه في مخاضةٍ معدنيةٍ فضيةِ اللون، بشكلٍ أسطوانيّ. يترجرج الحليب مع استمرار المخض لتتجمّع الزبدة في الطبقة العليا؛ لأحظى بقطعةٍ منها أتلذّذ بطعمها وهي تنساب في حلقي.

بعد تفريغ الحليب وتصفية الزبدة، أحمل شيئًا منهما إلى جيراننا وأقاربنا. اللبنُ والسمنُ هما الغذاءان الشائعان لسكان القرية، أمّا الحبوب فيتمّ تخزينُها في أكياسٍ تُحفَظ في مكانٍ بعيدٍ عن عبث الأطفال، لتُطعِمَ الأفواه، وتحوطًا للجفاف الذي يضرب سراةَ الباحة في بعض السنوات.