صفوت محمود
هذه ليلتي (3 – 3)
بقلم / صفوت محمود
(وحديثُ في الحب إن لم نقله
أوشك الصمت حولنا أن يقوله)
إن أصدق كلمات الحب هي التي لم ينطق بها اللسان.. هي تلك التي تظل حبيسة خلف قضبان القلب.. تطل أحياناً من العيون فتنير ظلمة الصمت، حتى يكاد الصمت أن يبدي بها.. قبل أن أختتم سلسلة مقالاتي عن هذه القصيدة الجميلة أود أن ألفت الانتباه إلى دلالات الجمل الموسيقية التي صاغها الموسيقار محمد عبدالوهاب، فقد تلاعب الأستاذ بمشاعرنا في المقدمة الموسيقية التي بدأت بعزف مجمع لآلات الكمان بجمل موسيقية من مقام (البياتي).. جمل حالمة مملؤة بالشجن.. ثم حوار بين آلات الكمان والجيتار ثم ينضم إلى الحوار الحالم الشجي آلتي الأكورديون والناي، وبذلك تم تهيئة مشاعر المستمع لتلقي صدمات متتالية من الشجن والحيرة والرومانسية والانتظار، واللهفة، والشوق والحزن والفرح.. حتى جمل الإيقاع لها دلالات محددة كما سيرد توضيحه.
يختتم شاعرنا جورج جرداق قصيدته بأروع صورة شعرية في تاريخ الشعر العربي الحديث، من وجهة نظري، فقد استحضر في ليلته الاستثنائية خيال (الندامى) مفردها نديم، وهو الرفيق المصاحب المسامر، وقد اعتاد إطلاقها على رفقاء الخمر، والعياذ بالله، لكن حدث تطور دلالي للكلمة فأصبحت تعني: الرفيق أو المسامر بشراب أو بدون شراب كما جاء في المعجم الوسيط ومختار الصحاح، لكن السؤال هنا ما هو مراد شاعرنا من (خيال الندامى)؟ بالتأكيد هو خيال المحبين العاشقين، لأن كأسه وخمره هو المحبوب:
يا حبيبي وأنت كأسي وخمري
ومنى خاطري وبهجة أنسي
وحين يجتمع خيال المحبين العاشقين فلابد من حضور اثنين من أشهر الشعراء، النواسي والخيام، والنواسي هو الحسن بن هانئ الملقب بأبو نواس أحد أشهر شعراء الدولة العباسية، وقد عُرف بأنه شاعر الخمر والمجون، وكتب له الله حُسن الخاتمة والتوبة في آخر حياته، أما عمر الخيام فهو معروف بأشعاره الروحانية التي تميل إلى التصوف والزهد، وإن كانت لا تخلو أشعاره من مآخذ كثيرة، لسنا بصددها الآن، والفارق الزمني بين الشاعرين أكثر من ثلاثمائة عام، حيث يسبق أبو النواس الخيام بأكثر من ثلاثة قرون. والسؤال هنا: ما دلالة اجتماع هذين الشاعرين بالتحديد في تلك الليلة؟ حينما تأملت سيرة أبو نواس وبعض أشعاره لفت انتباهي أنه كثير الأزمات العاطفية، وقد اعتبره الجاحظ أنه من أشعر شعراء العرب وأكثرهم امتلاكاً لناصية اللغة والبلاغة، ومن المؤكد أن شاعرنا استعان به واستحضره للدلالة على حُسن البيان وفصاحة اللسان بعد أن ساد الصمت بين المحبين وكاد ينطق بحديث الحب بعد عجز اللسان عن التعبير. فقد اجتمعت في هذه الليلة فصاحة اللسان (النواسي) مع زهد (الخيام)، لينهلوا ويرتوا من وجدان شاعرنا المملوء بالأحلام والأشواق و(يُسكروا) الأيام حباً وهياماً. وقد ظهرت عبقرية اللحن حين استخدم الموسيقار محمد عبدالوهاب الإيقاع (الصوفي) في هذا الكوبليه للدلالة على الزهد والروحانيات لينفي أي تهمة فسق أو مجون في دلالات الألفاظ والصور الشعرية التي استخدمها شاعرنا جورج جرداق. أما دلالة البعد الزمني بين أبو النواس والخيام، فكأن جورج جرداق يقول إن المحبين من كل الأزمنة والعصور قد اجتمعوا في هذه الليلة.
هَلَّ في لَيلَتي خَيَالُ النّدامَى
والنُّواسِيُّ عَانق الخَيّامَا
وَتسَاقَوا مِن خَاطِرِي الأحلامَا
وَأَحَبُّوا وَأسكرُوا الأيُّامَا
وفي هذه الليلة الحالمة المملوءة حباً وشوقاً يتمنى المرء أن لو عاد به الزمان، إلى زمان الصبا والشباب، ليرتوي حباً، حتى لا يضيع العمر دون لحظة حب واحدة.
رَبِّ مِن أين للِزمَانِ صِباهُ
إن صَحونَا، وَفَجْرهُ ومَساهُ
لَن يرَى الحُبُّ بعدَنَا مَن هَوَاهُ
نحنُ لَيلُ الهَوَى ونَحنُ ضُحَاهُ
وفي هذه الأمسية اختتم مقالي بالسلام والتحية لكل القلوب التي امتلأت حباً وشوقاً، متمنياً أن تكون كل لياليها حباً ونقاء وطهراً.
مِلءُ قَلبي شَوقٌ وَملُّ كيانِي
هَذه لَيلتي فَقِفْ يا زَمَاني
سَوف تَلهُو بِنا الحَياةُ وتَسخَر
فَتَعَالَ أُحبُّك الآن أكثَرُ