الكاتب : النهار
التاريخ: ٢٥ مايو-٢٠٢٥       20790

بقلم- شموخ نهار الحربي 

في زحام العالم، وتقلّباته، وضجيجه الذي لا يهدأ، يبحث الإنسان عن مساحة ينتمي إليها دون خوف أو خجل، مساحة لا يُحاكم فيها، ولا يُقاطع، ولا يُساء فهمه، ومن بين كل الوسائل التي يلوذ بها البشر، تظل الكتابة من أصدقها وأقربها للنفس، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل أصبحت الكتابة مهربًا نهرب فيه من الواقع؟ أم ملجأ نحتمي به لنفهم هذا الواقع ونصمد أمامه؟

الكتابة كمهرب: حين تضيق الحياة

كثير من الكُتاب والناس العاديين يلجؤون إلى الورقة حين تضيق بهم الدنيا، يكتبون حين لا يُحسنون الكلام، أو حين لا يُسمع صوتهم، أو حين تكون مشاعرهم أكبر من قدرتهم على التعبير المباشر، في هذه اللحظة، تصبح الكتابة مهربًا من عالم قاسٍ، مليء بالخذلان، والخذلان أحيانًا لا يُروى، بل يُسكب على الورق.

في المهرب، لا توجد قوانين. نكتب ما نشاء، ونصرخ دون أن نُعاقب، ونبكي دون أن يُقال لنا “تماسك”، نهرب إلى خيال أجمل من الواقع، إلى سيناريوهات نتمناها ولم تحدث. نكتب أحاديثنا التي لم تُقال، وردودنا التي تأخرنا في قولها، ونُفرغ مشاعرنا التي تكدست ولم نجد لها مستمعًا.

لكن، هل يكفي الهرب وحده؟ هل تُحلّ مشكلاتنا فقط بأن نكتب عنها؟ وهنا ننتقل إلى الوجه الآخر للكتابة.

الكتابة كملجأ: حين تمنحنا القوة

في المقابل، يرى آخرون – وأنا منهم – أن الكتابة ليست فقط مهربًا، بل هي ملجأ حقيقي نقف فيه على أقدامنا من جديد، الكتابة لا تقتصر على الهروب من الألم، بل هي وسيلة لفهمه، نحن لا نكتب فقط لننسى، بل لنفهم، لنحلل، لنربط بين الأحداث والمشاعر، لنُداوي أنفسنا بأنفسنا.

الملجأ ليس مكانًا للهروب، بل هو مكان آمن نعيد فيه ترتيب ذاتنا، وهنا، تُصبح الكتابة أداة للنضج، لأن ما يُكتب بصدق، يعكس فهمًا عميقًا للنفس والواقع، الكُتاب الحقيقيون لا يهربون فقط، بل يسبرون أغوار مشاعرهم، ويخرجون منها بفهم أعمق لأنفسهم وللحياة.

بين المهرب والملجأ: الكتابة حالة متغيرة

الحقيقة أن الكتابة ليست شيئًا واحدًا طوال الوقت، أحيانًا نكتب هربًا، وأحيانًا نكتب لنتعافى، وأحيانًا نكتب لنغيّر شيئًا حولنا، وقد تبدأ الكتابة كمهرب، لكنها تنتهي كملجأ، وقد تكون في بدايتها عشوائية، غاضبة، ممزقة، لكنها تتحول تدريجيًا إلى شيء منظم، هادئ، ومتوازن.

الورق يحتمل كل أشكالنا: المكسورة، الغاضبة، الحالمة، والعاقلة، ولعل هذا ما يجعل الكتابة مزيجًا من الاثنين: هي مهرب حين لا نجد طريقًا، وملجأ حين نقرر أن نعود إلى الطريق بقوة.

رأيي الشخصي

أرى أن الكتابة لا تُفهم إلا بتجربتها، هي أشبه بالماء، تأخذ شكل وعاء مشاعرنا، أحيانًا أهرب بها من مشهد مؤلم، وأحيانًا أجد فيها ملجأ يبنيني من جديد، لكن دائمًا، وبعد كل سطر، أشعر أنني أقرب إلى نفسي أكثر.

الكتابة لا تحل المشاكل بالضرورة، لكنها تمنحنا وسيلة لنفهمها، لنحتملها، وربما – مع الوقت – لنتجاوزها، ولذا، أقول: الكتابة ليست هروبًا سلبيًا، بل هروب نحو الذات. ليست ضعفًا، بل فعل قوة ناعمة، تُحارب بصمتٍ… وتنتصر.

خاتمة

في النهاية، سواء اعتبرت الكتابة مهربًا أم ملجأ، هي تظل مساحة حرّة لا تُشبه غيرها، لا يمكن لأحد أن ينتزعها منك، ولا أن يُملي عليك كيف تستخدمها. تكتب لتعيش، لتتوازن، لتتحدث مع نفسك عندما يصمت الجميع، فالكتابة ليست خيارًا للكثيرين… إنها نجاة.