الكاتب :
التاريخ: ١١ اكتوبر-٢٠٢٦       4345

بقلم : علي بن عيضة المالكي

تتحدد مكانة الدول الكبرى بقدرتها على حماية مصالحها، وصيانة هويتها، وإدارة التحولات السياسية والفكرية التي تحيط بها. والمملكة العربية السعودية، بما تمتلكه من ثقل ديني واقتصادي وسياسي، واجهت خلال تاريخها الحديث حملات متعددة استهدفت صورتها الدولية، وأثارت الجدل حول معتقداتها ومنهجها الديني، وسعت بعض أطرافها إلى توظيف الخلافات الفكرية في صراعات سياسية وإعلامية. وقد فرضت هذه التحديات على الدولة مسؤولية الجمع بين حماية ثوابتها، وتوضيح مواقفها، ومواصلة مشروعها الوطني بثقة واستقلالية.

تنبع خصوصية المملكة من ارتباطها بمكة المكرمة والمدينة المنورة، واحتضانها الحرمين الشريفين، وقيام شرعيتها على القرآن الكريم والسنة النبوية وفق نظامها الأساسي للحكم. وهذه المكانة تمنحها مسؤولية دينية تتجاوز حدودها الوطنية، وتجعل صورتها موضع اهتمام واسع في العالم الإسلامي وخارجه. ومن هنا، فإن أي نقاش يتعلق بمعتقداتها ومنهجها الديني يتجاوز في كثير من الأحيان حدود الجدل الفكري، ليتصل بمكانتها الإقليمية، ودورها في العالم الإسلامي، وطبيعة علاقاتها الدولية.

لقد واجهت السعودية انتقادات وحملات إعلامية اتخذت من قضايا دينية واجتماعية وسياسية مداخل لتكوين تصورات عامة عنها. وتفاوتت هذه الحملات في دوافعها وأدواتها؛ فمنها نقد يرتبط بقضايا حقوقية وسياسات عامة، ومنها خطاب أيديولوجي يختزل التجربة السعودية في أحكام شاملة، ومنها حملات توظف الخلافات المذهبية أو المعلومات المضللة لتحقيق أهداف سياسية. وتقتضي القراءة الموضوعية التمييز بين هذه المسارات، وفحص الادعاءات بالأدلة، وتجنب وضع جميع أشكال النقد في إطار واحد؛ فالدولة الواثقة من هويتها تملك القدرة على مناقشة الانتقادات، وتوضيح مواقفها، والرد على المغالطات بالحجة والوقائع.

وفي مواجهة التطرف، عملت المملكة على تطوير المؤسسات الدينية والتعليمية، ومواجهة التنظيمات التي توظف الدين لتبرير العنف، وتعزيز الخطاب الذي يربط التدين بالمسؤولية واحترام الأنظمة وحماية المجتمع. كما اتخذت إجراءات أمنية وفكرية لمواجهة التنظيمات الإرهابية، وفي مقدمتها تنظيم القاعدة وتنظيم داعش، وتنظيم الأخوان المسلمين وما في شاكلته كالحوثيين وحزب الله اللبناني وحزب الله العراقي والحشد الشعبي ومكائد الحرس الثوري الإيراني تلك التنظيمات ارتكبت جرائم باسم الدين، وهددت أمن المجتمعات واستقرار الدول. وقد أظهرت هذه المواجهة أن حماية العقيدة من الاستغلال السياسي والفكري تتطلب عملًا مؤسسيًا متكاملًا يجمع بين الأمن والتعليم والتوعية وتجفيف منابع التطرف.

وشهدت المملكة تحولات داخلية مهمة في تنظيم الحياة العامة، وتطوير المؤسسات، وتوسيع مجالات المشاركة الاقتصادية والاجتماعية، بالتوازي مع برامج رؤية السعودية 2030. وقد أسهمت هذه التحولات في إعادة تشكيل صورتها لدى قطاعات واسعة من الرأي العام الدولي، وفتحت نقاشات حول العلاقة بين الهوية الوطنية ومتطلبات التنمية الحديثة. وتبقى قوة هذا المسار مرتبطة بقدرته على تحقيق نتائج ملموسة، وتعزيز كفاءة المؤسسات، وتوسيع فرص المواطنين، والمحافظة على الاستقرار الذي تحتاج إليه التنمية المستدامة.

أما على الصعيد السياسي، فقد أدركت المملكة أن الحملات الإعلامية لا تواجه بالشعارات وحدها، وأن حماية السمعة الدولية تحتاج إلى حنكة فاعلة، ومعلومات موثوقة، وتواصل مؤسسي يشرح السياسات ويضع الوقائع في سياقها الصحيح. ولذلك تكتسب أهمية خاصة مبادرات الحوار، والشراكات الدولية، وتطوير الخطاب الإعلامي، وتقديم صورة متكاملة عن المجتمع السعودي وتحولاته. فالمعركة على الصورة الذهنية تتطلب معرفة دقيقة بطبيعة الخطاب المضاد، وقدرة على التفريق بين الخصومة السياسية والاختلاف الفكري والنقد الذي يستحق المعالجة.

وتبرز هنا قضية جوهرية تتصل بحق المملكة في حماية هويتها الدينية واستقلال قرارها الوطني. فالعلاقات الدولية تقوم على احترام سيادة الدول، كما أن الاختلاف في المناهج والتقاليد الدينية لا يمنح أي طرف حق فرض تصوره على الآخرين. وفي المقابل، فإن قوة الموقف الوطني تزداد حين يستند إلى المعرفة، والعدل، ووضوح الحجة، والقدرة على معالجة مواطن الخلل، مع المحافظة على الثوابت التي تستمد منها الدولة هويتها وخصوصيتها.

لقد أثبتت التجربة السعودية أن مواجهة التحديات الفكرية والسياسية تحتاج إلى ما يتجاوز الردود الآنية؛ فهي تتطلب بناء الإنسان، وتحصين الوعي، وتطوير التعليم، وتعزيز الثقة بالمؤسسات، وتقديم خطاب ديني رصين يواجه الغلو ويصون مكانة الدين من التوظيف الحزبي. كما تتطلب دبلوماسية تعرف متى تتمسك بموقفها، ومتى تفتح أبواب الحوار، وكيف تدافع عن مصالحها من دون الانجرار إلى صراعات تستنزف قدراتها أو تصرفها عن أولوياتها الاستراتيجية.

وتبقى المملكة العربية السعودية دولة ذات خصوصية تاريخية ودينية، وثقل سياسي واقتصادي يفرض حضورها في القضايا الإقليمية والدولية. وتستمد قدرتها على مواجهة الحملات الموجهة ضدها من تماسكها الداخلي، وفاعلية مؤسساتها، ووعي مجتمعها، واستمرار العمل على تحقيق التنمية وحماية المصالح الوطنية. وكلما اقترنت الثوابت بالأداء المؤسسي المتقن، وساندت الحجةَ معرفةٌ راسخة، ازدادت قدرة الدولة على توضيح صورتها، ومواجهة الادعاءات المغلوطة، وتوسيع دوائر الثقة بشراكاتها ومواقفها.

في الختام:

إنّ المملكة العربية السعودية تمثل كل الأوطان؛ وهوعنوان يحمل معنى الانتماء إلى أرض تتصل هويتها بعمق العقيدة، وتتطلع سياستها إلى حماية السيادة وتعزيز الاستقرار، ويواصل أبناؤها مسيرة البناء والطموح. ومهما تعددت الحملات واختلفت دوافعها، فإن الرد الأكثر رسوخًا يظل في قوة المؤسسات، ووضوح المواقف، وعدالة الإجراءات، وإنجازات التنمية، وقدرة الوطن على الجمع بين الاعتزاز بثوابته والانفتاح الواعي على العالم.