الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٩ اكتوبر-٢٠٢٦       2640

بقلم: عبدالله الكناني

يكشف استهداف المطارات المدنية في المملكة وتهديد الملاحة الدولية خطورة الإجرام الحوثي الإرهابي، حين يجعل أرواح الأبرياء وأمن المسافرين وحركة التجارة أدوات للضغط والابتزاز.

بذلك تنتقل تداعيات المشروع المسلح من معاناة اليمنيين إلى مصالح دول وشعوب، ويصبح التصدي له مسؤولية مشتركة تتصل بحرمة الإنسان وسيادة الدول وصدقية القوانين الدولية. يفسر اتساع هذا الخطر التضامن الدولي الذي تلقته السعودية، من مواقف خليجية وعربية وإدانات بريطانية وفرنسية وهندية وأممية، فاستهداف مطارات يرتادها أشخاص من جنسيات متعددة يمس أمنًا تتشابك فيه مصالح الجميع. ولهذا يكتسب حزم تحالف دعم الشرعية بقيادة المملكة دلالته، حين يؤكد مواجهة الاعتداءات على المدنيين والأعيان المدنية، ويعلن تدمير منصات إطلاق الصواريخ الحوثية، بما يمنع تحويل مرافق الحياة إلى ساحات للرعب والمساومة السياسية. لذا تقتضي مواجهة هذه الأدوات بتجفيف مصادر القوة التي تغذيها، وفي مقدمتها الدعم الإيراني الذي وثّقت تقارير أممية شموله التسليح والتدريب والمساعدة التقنية والتمويل. ويمنح هذا الدعم طهران وسيلة للتأثير في أمن المنطقة عبر جماعة مسلحة، ويضع اليمن في دوائر صراع تستنزف مقدراته وتضعف استقلال قراره. هكذا يتصل استمرار التوتر بسياسة نفوذ تربك أولويات التنمية، وتمنح الجماعة قدرة على توسيع تهديدها كلما وجدت منافذ للإمداد ومساحة للإفلات من المحاسبة. ومن هنا تتضح كلفة هذه العلاقة داخل اليمن، حيث يتحمل المواطنون تبعات سلطة تُفرض بالسلاح وتستهلك موارد البلاد في خدمة بقائها. ويتعمق هذا الإخضاع بخطاب يمنح قيادة الميليشيا الحوثية امتيازًا سلاليًا، ويضع إرادتها فوق المواطنة والمؤسسات والمساءلة، فتتحول الدولة إلى أداة للهيمنة، ويُحاصر حق الناس في الأمن والعمل واختيار المستقبل. وتكشف الانتهاكات التي سجلتها تقارير أممية، من الاعتداء على المدنيين وتجنيد الأطفال إلى إعاقة المساعدات، النتائج الإنسانية لهذا المنطق. أمام هذه الوقائع، تتسع الفجوة بين القرارات الدولية وقدرتها على تغيير سلوك الجماعة، إذ تتكرر الإدانات ويجد المعتدي منافذ لتجديد قدراته ومواصلة فرض الأمر الواقع. ويغذي تأخر التنفيذ وهمًا بإمكان استمرار هذه السياسة دون كلفة، ما يستوجب مراجعة سياسات الاحتواء المؤقت وتحويل التضامن مع السعودية واليمنيين إلى موقف عملي يحاصر مصادر الخطر ويوقف الاعتداءات. يبدأ هذا التحول بتطبيق حظر السلاح، وتعقّب شبكات الإمداد والتمويل غير المشروع، وتنفيذ العقوبات المستهدفة، ومساءلة الجهات التي يثبت تورطها في تجاوز القرارات الأممية. وتتصل بذلك حماية الملاحة البحرية والجوية ودعم قدرات الدولة اليمنية على تأمين حدودها وسواحلها، حتى تُغلق المنافذ التي تعيد إنتاج الأزمة، ويرتبط الالتزام الدولي بنتائج قابلة للتحقق. وتكتمل فاعلية هذه الإجراءات بالمحاسبة، فالقانون الدولي الإنساني يحظر تعمد استهداف المدنيين والأعيان المدنية، و تشكل الاعتداءات عليها جرائم حرب ويقتضي ذلك توثيق الجرائم وملاحقة المسؤولين عنها، بالتوازي مع ضمان وصول المساعدات إلى اليمنيين، بما يهيئ الظروف اللازمة لاستعادة مؤسسات الدولة وقرارها الوطني. في هذا السياق، يحمل “فجر اليمن” أملًا يتصل بالأهداف التي أعلنتها القيادة اليمنية لاستعادة المؤسسات وتحرير صنعاء وإنهاء الانقلاب الحوثي. ويسند هذا الأمل عزم الحكومة اليمنية وإسناد تحالف دعم الشرعية، وإرادة لن تكسرها بلطجة الميليشيا أو ضجيج المداهنين وتوسل المبررين، لأن وضع السلاح تحت سلطة الدولة ليس هدفًا سياسيًا فحسب، بل شرط لحماية المدنيين وفتح الطريق أمام التعافي وإعادة البناء. ولا تكتمل استعادة الدولة إلا بتحويل الأمن إلى أساس للتنمية، وحماية اليمنيين إلى أولوية عملية، وإعادة توجيه الموارد نحو الخدمات والتعليم والصحة وفرص العمل، بما يعيد للمؤسسات ثقة المواطنين ويمنح الأقاليم فرصة متكافئة للنهوض. فاليمن المستقر والقادر على إدارة حدوده وموانئه وموارده لا يحمي أبناءه وحدهم، بل يعزز أمن الخليج والملاحة الدولية، ويفتح شراكة إقليمية أوسع في التجارة والإعمار والازدهار. عندها يصبح “فجر اليمن” انتقالًا حقيقيًا من منطق الميليشيا والابتزاز إلى دولة تحمي الإنسان، وتصون سيادتها، وتسهم بثبات في أمن المنطقة وتنميتها واستقرارها.