الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٦ اكتوبر-٢٠٢٦       2255

بقلم : اللواء الركن م / حسين محمد معلوي

في الخامس من أكتوبر ٢٠٢٦م، أطلقت الحكومة اليمنية عملية «فجر الوطن» بمشاركة قوات العمالقة، وقوات درع اليمن، والمقاومة التهامية، مسنودة بالمقاومة الشعبية، وذلك تنفيذاً لما أعلنه رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي، الذي دعا إلى النفير لتحرير المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين واستعادة الدولة ومؤسساتها.

 

وقد حققت العملية في بدايتها إنجازاً عسكرياً واستراتيجياً مهماً بتحرير مضيق باب المندب وجزيرة ميون ومدينة المخا وذوباب من الحوثيين، بدعم جوي من التحالف العربي. ويكتسب هذا الإنجاز أهمية استثنائية ، فباب المندب من أهم الممرات البحرية الدولية، والسيطرة عليه لا تعني مجرد مكسب عسكري، بل تمثل تحولاً في موازين القوى على الساحل الغربي لليمن، وتعيد للحكومة اليمنية وقواتها زمام المبادرة.

 

كما أعاد هذا الانتصار الثقة إلى الجيش اليمني والمقاومة والشعب اليمني، وأثبت أن تحرير الأراضي اليمنية ممكن متى توافرت الإرادة السياسية والقوة العسكرية والدعم المساند. كما أن تحرير المخا وذوباب والمواقع المحيطة بباب المندب يفتح الطريق أمام استعادة بقية مناطق الساحل الغربي.

 

وجاء هذا التطور متزامناً مع انعقاد حلف مكة وإعلانه تفعيل الردع الجماعي والدفاع المشترك، في وقت تصاعدت فيه الاعتداءات الحوثية على المملكة العربية السعودية، واستهدفت منشآت اقتصادية ومطارات ومواقع مدنية، في تجاوز واضح لحدود الصراع اليمني.

 

وهنا يبرز التساؤل :- لماذا يصر الحوثيون على نقل المواجهة إلى خارج اليمن واستهداف المملكة، رغم أن ذلك لا يخدمهم عسكرياً ولا سياسياً ؟ . إن تفسير هذا السلوك يرتبط، في جانب منه، بالخلفية الأيديولوجية والسياسية للمشروع الحوثي وبالدعم الإيراني الذي أسهم في تحويل الجماعة من حركة محلية إلى طرف في صراع إقليمي أوسع .

 

وقد اعتمد الحوثيون خطاباً أيديولوجياً ومذهبياً يستدعي أحداث التاريخ ويستخدمها في الصراع السياسي المعاصر، كما رفعوا شعارات تتجاوز حدود اليمن ، فيما وظفت قضية القدس في كثير من الأحيان لاستقطاب التعاطف العربي والإسلامي وإضفاء بعد أوسع على مشروعهم السياسي.

 

ومنذ الثورة الإيرانية عام ١٩٧٩م، تبنت إيران مبدأ تصدير الثورة ودعم حلفائها في المنطقة، وتوسع نفوذها عبر جماعات وأحزاب مسلحة في عدد من الدول العربية. وفي اليمن جاء دعم الحوثيين ليشكل إحدى أدوات هذا النفوذ، بما جعل الساحة اليمنية جزءاً من صراع إقليمي يتجاوز حدودها.

 

لكن عملية «فجر الوطن» جاءت لتؤكد أن هذا المشروع ليس قدراً محتوماً؛ فاستعادة باب المندب وميون والمخا وذوباب تمثل ضربة مهمة لمشروع التمدد الحوثي، وتعيد رسم المعادلة العسكرية والجغرافية في الساحل الغربي.

 

إن أهمية العملية لا تكمن في تحرير مواقع استراتيجية فحسب، وإنما في الرسالة التي تحملها: الممرات البحرية الدولية لا يمكن أن تكون رهينة لجماعة مسلحة، والدولة تستطيع استعادة زمام المبادرة متى امتلكت الإرادة والقدرة والدعم.

 

ومن هنا يمكن القول إن «فجر الوطن» تمثل بداية سقوط المؤامرة المتعددة الأطراف التي استهدفت إضعاف الدولة اليمنية، وإبقاء اليمن ساحة للصراع الإقليمي، واستخدام الحوثيين أداة للضغط على دول المنطقة وتهديد أمن البحر الأحمر وباب المندب .

 

إن تحرير باب المندب والمدن والمواقع القريبة منه ليس مجرد انتصار عسكري عابر، بل خطوة مهمة نحو استعادة الدولة اليمنية لأراضيها، وتأمين أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وفتح الطريق أمام مرحلة جديدة يتقدم فيها منطق الدولة على منطق الجماعة والسلاح.