الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٤ اكتوبر-٢٠٢٦       2145

بقلم : عبدالمحسن محمد الحارثي

لم تكن المملكة العربية السعودية يوماً دولةً عابرةً في تاريخ المنطقة، ولا كياناً صنعته ظروفٌ مؤقتة ثم انقضى أثره؛ بل هي مشروعُ دولةٍ متصل، قامت أركانه على العقيدة، ووحدة الأرض، وثبات القيادة، والتحام المجتمع بوطنه. فمن قلب الجزيرة، وببركة مكة المكرمة والمدينة المنورة، بدأت حكايةُ دولةٍ تعرف أن البقاء لا يُمنح، وأن المكانة لا تُستعار، وأن الأوطان العظيمة تُبنى بالإرادة والعمل وحسن تدبير الزمن.

 

وعلى امتداد عقودٍ طويلة، واجهت المملكة تحدياتٍ سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية؛ تبدلت وجوهها وأدواتها، لكن الثابت أن السعودية كانت تخرج من كل منعطفٍ أصلبَ عوداً، ومن كل اختبارٍ أعمق خبرةً، ومن كل أزمةٍ أقدر على حماية مصالحها وصناعة فرصها. وذلك هو الفارق بين دولةٍ تُرهقها العواصف، ودولةٍ تتعلم كيف تمضي وسطها بثبات.

 

فالدول الراسخة لا تُقاس بما تملكه من موارد، ولا بما تحققه في أوقات الاستقرار وحدها؛ بل بما تُظهره حين تضيق الخيارات وتتعقد المشاهد. تُقاس بحسن إدارة الأزمات، وبالقدرة على استشراف التحولات قبل أن تفرضها الأحداث، وبامتلاك القرار الوطني في لحظات الضغط. وفي هذا الميدان أثبتت المملكة أنها تقرأ المتغيرات بوعي، وتتحرك بواقعية، وتوازن بين ثبات الهوية ومرونة الحركة، وبين حماية المصالح والانفتاح الواعي على العالم.

 

لقد واجهت السعودية محاولاتٍ للتشكيك، وضغوطاً متباينة، وتحدياتٍ استهدفت أمنها واستقرارها ومكانتها. وكان وراء بعضها أعداءُ النجاح؛ كياناتٍ أو تكتلاتٍ أو أفراداً، ضاق بهم ثقل المملكة ووضوح مسارها. غير أن الدولة الواثقة لا تُدار بردود الأفعال، ولا تجعل ضجيج الخصوم بديلاً عن صوت الإنجاز؛ إنها تمضي في عملها، وتراكم نتائجها، وتدع الواقع يجيب عن كل سؤال.

 

ومن أسرار التجربة السعودية أنها لم تنظر إلى التنمية بوصفها مشروعاً مرحلياً أو استجابةً لحاجةٍ عابرة، بل جعلتها مساراً متصلاً لبناء الإنسان والمكان والمؤسسات. فامتد أثرها إلى الاقتصاد والتعليم والصحة والثقافة والتقنية والسياحة والبنية التحتية وجودة الحياة؛ في صورةٍ تؤكد أن قوة الدولة لا تقوم على موردٍ واحد، بل على منظومةٍ متكاملة تتساند فيها القيادة والمجتمع والمؤسسات.

 

ثم جاءت رؤية السعودية 2030 لتعلن مرحلةً جديدةً من الطموح المدروس والتحول المتسارع. لم تكن مجرد خطةٍ اقتصادية، بل مشروعاً وطنياً واسعاً يعيد صياغة الأولويات، وينوع مصادر الدخل، ويفتح أبواب الفرص، ويمكّن الإنسان السعودي ليكون شريكاً أصيلاً في صناعة المستقبل. إنها رؤيةُ وطنٍ يعرف حجم إمكاناته، ويملك الشجاعة لتحويلها إلى واقعٍ يراه المواطن في تفاصيل حياته، وتلمسه الأجيال في آفاقها القادمة.

 

وتتجلى فرادة هذه التجربة في أن المملكة تنفتح على العالم من غير أن تفقد بوصلتها، وتستفيد من الخبرات من غير أن تستنسخ تجارب الآخرين، وتطور أدواتها من غير أن تتنازل عن قرارها الوطني أو ثوابتها الدينية والاجتماعية. إنها معادلة الأصالة والتجديد؛ جذورٌ ثابتة، وأغصانٌ تمتد نحو المستقبل.

 

كما أن مكانة المملكة لا تستند إلى قوتها الداخلية وحدها، بل إلى دورها العربي والإسلامي والدولي. فهي حاضرة في قضايا الأمن والطاقة والاستقرار والتنمية، وتدرك أن النفوذ الحقيقي ليس صخباً ولا استعراضاً، بل مسؤوليةٌ تُمارَس، ومواقفُ تُتخذ، وقدرةٌ على خدمة المصالح الوطنية ودعم استقرار المنطقة والدفاع عن القضايا العادلة.

 

وعلى مشارف استكمال ثلاثة قرون من عمر الدولة السعودية، تتضح الصورة جليةً: تاريخٌ من التأسيس والثبات، وحاضرٌ يفيض بالإنجاز والتحول، ومستقبلٌ مفتوح على آفاقٍ أرحب. إنها مسيرة لم تكن سهلة، لكنها كانت دائماً مسيرةَ إرادة؛ إرادةُ قيادةٍ تؤمن بوطنها، وشعبٍ يشارك في بنائه، ومؤسساتٍ تحوّل الطموح إلى واقع.

 

هكذا هي المملكة العربية السعودية: وطنٌ يستند إلى جذورٍ عميقة، لكنه لا يعيش في الماضي؛ ودولةٌ تحافظ على ثوابتها، لكنها لا تخشى التجديد. وكل تحدٍّ جديد لا يمثل نهايةً لمسيرتها، بل اختباراً آخر لقدرتها على مواصلة الصعود؛ لأن السعودية التي تجاوزت عواصف الأمس، تمضي اليوم بثقةٍ أكبر لصناعة غدها، ولتظل ــ بإذن الله ــ دولةً عصيةً على الانكسار، حاضرةً في التاريخ، ومؤثرةً في الحاضر، وصانعةً للمستقبل.