بقلم ـ عجاب الحنتوشي
هناك مواقف صغيرة في ظاهرها، لكنها تكشف لنا أشياء كبيرة في دواخل بعض الناس.
ومن المؤسف أن نصل إلى مرحلة يصبح فيها حضورك في مناسبة، أو تعاملك مع جهة، أو تمثيلك لصحيفتك ومؤسستك الإعلامية، سببًا لأن يسألك أحدهم: لماذا كنتِ معهم؟ ولماذا لم تكون معنا؟
السؤال في حد ذاته قد يبدو عابرًا، لكن خلفه أحيانًا عقلية غريبة تتسلل إلى العلاقات المهنية والاجتماعية؛ عقلية ترى الزمالة ملكية، والصداقة حقًا حصريًا، والانتماء عقدًا يمنح صاحبه حق محاسبتك على اختياراتك.
وهنا يجب أن نتوقف.
متى أصبحنا نمتلك الأشخاص بدل أن نقدرهم؟
ومتى أصبح من حق أحد أن يحدد للآخر أين يذهب، ومع من يجلس، ولمن يمثل، وأي جهة يشاركها؟
العمل الإعلامي تحديدًا لا يقوم على الأبواب المغلقة، ولا على فكرة «أنت معنا فلا تكن مع غيرنا».
الإعلام مساحة واسعة، والزميل المهني يستطيع أن يعمل مع أكثر من جهة، وأن يحضر أكثر من مناسبة، وأن يمثل المؤسسة التي ينتمي إليها بكل مهنية واحترام، دون أن يكون ذلك انتقاصًا من أحد أو خيانة لأحد.
أن تستلم درعًا يحمل اسم صحيفتك ليس إعلانًا للحرب على الآخرين.
وأن تمثل مؤسستك الإعلامية ليس إساءة لمن لا تعمل معه.
وأن تفتح علاقات مهنية جديدة لا يعني أنك أغلقت أبوابك القديمة.
المهنية لا تعرف لغة الاحتكار.
والأجمل من ذلك كله أن نحترم اختيارات بعضنا البعض، وأن نفرق بين المحبة والوصاية، وبين الزمالة والتملك، وبين العتاب الجميل ومحاولة فرض القرار.
لقد أصبحنا بحاجة إلى أن نتذكر أن الإنسان ليس «تابعًا» لأحد، وأن العلاقات الصحية لا تُبنى على:
«لماذا لم تأتِ معنا؟»
ولا على:
«رأيتك مع غيرنا».
بل تُبنى على سؤال أكثر جمالًا:
«كيف نستطيع أن نكون أفضل معًا؟»
المؤسف أن بعض العلاقات تبدأ بالترحيب، ثم تتحول تدريجيًا إلى شروط غير معلنة؛ كن معنا وحدنا، لا تتعامل مع غيرنا، لا تذهب إلى هناك، لا تظهر مع هؤلاء.
وحين يرفض الإنسان هذه القيود، يُفسر استقلاله بأنه تغير، أو جحود، أو تنكر.
والحقيقة أبسط من كل ذلك:
إنه فقط يعرف قيمة نفسه، ويعرف أن احترام الآخرين لا يعني إلغاء ذاته.
نحن بحاجة إلى إعادة تعريف «الزمالة».
الزميل الحقيقي لا يخاف من نجاحك، ولا ينزعج من ظهورك، ولا يحزن لأنك حصلت على تقدير من جهة أخرى.
بل يفرح لك.
والصديق الحقيقي لا يسألك: «لماذا كنت مع غيرنا؟»
بل يقول لك: «سعدت برؤيتك، وتستحق كل تقدير.»
أما أن نضع الناس أمام اختبارات الولاء في كل موقف، وأن نطلب منهم إثبات انتمائهم لنا في كل مرة، فهذه ليست زمالة… بل وصاية ترتدي ثوب المحبة.
ولعل أجمل ما يمكن أن نتعلمه هو أن الاحترام لا يحتاج إلى امتلاك، والمحبة لا تحتاج إلى احتكار، والزمالة لا تحتاج إلى إلغاء الآخرين.
دعوا الناس يذهبون حيث يريدون، ويعملون حيث يجدون أنفسهم، ويمثلون مؤسساتهم بكل فخر ومهنية.
فنجاح الآخرين لا ينتقص من نجاحنا.
وظهورهم لا يطفئ حضورنا.
وتكريمهم لا يعني أننا أقل قيمة.
وفي النهاية، يبقى الإنسان المهني كبيرًا بأخلاقه، لا بعدد الجهات التي احتكرته، ولا بعدد الأشخاص الذين منعهم من التعامل مع غيره.
فلا تجعلوا العلاقات الجميلة تضيق حتى تختنق.
اتركوا للناس مساحة أن يكونوا أنفسهم…
فأجمل العلاقات تلك التي تقول لك:
كن حيث تجد نفسك، وسأبقى أقدّرُك حيث كنت.