بقلم ـ طارق محمود نواب
هناك رجال يتقاعدون من وظائفهم وهناك وظائف تتقاعد من رجالها. والفرق بين الحالتين لا تصنعه سنوات الخدمة ولا عدد المناصب التي مرّ بها الإنسان بل ذلك الأثر الذي يبقى بعد أن يغادر مكتبه وتنتهي علاقته الرسمية بالمكان.
والمهندس سمير رسلان مدير عام الأمن الصناعي في أرامكو السعودية سابقًا واحد من أولئك الذين يصعب أن تضع أسماءهم في خانة "السابقين" لأن بعض الأسماء لا يحكمها الزمن الوظيفي ولا تنتهي علاقتها بالمشهد بقرار التقاعد. فقد مضى على تقاعده أكثر من سبعة عشر عامًا ومع ذلك بقي اسمه حاضرًا وهذه ليست مسألة عابرة.
ففي الشركات والمؤسسات الكبرى تمر أسماء كثيرة وتتعاقب أجيال وتتبدل المواقع والمسؤوليات لكن الذاكرة المهنية شديدة الانتقائية فلا تحتفظ طويلًا إلا بمن أضاف إليها شيئًا يستحق البقاء. وسمير رسلان لم يكن مجرد مسؤول عبر مرحلة من تاريخ أرامكو السعودية بل كان جزءًا من ذاكرة العمل والإنجاز فيها ورجلًا ترك خلفه ما يجعل الحديث عنه بعد كل هذه السنوات حديثًا عن أثر لا عن وظيفة.
فالمنصب يستطيع أن يمنح صاحبه مساحة للحضور لكنه لا يستطيع أن يمنحه التاريخ. والتاريخ تصنعه المنجزات وما يزرعه الإنسان في الآخرين وما يتركه في العمل بعد أن يصبح بعيدًا عن أبوابه ومكاتبه واجتماعاته. وهنا تكمن قيمة التجربة بأن يظل اسمك حاضرًا وأنت لا تحمل منصبًا وأن يتذكرك الناس بعد عقود دون أن يحتاج أحد إلى تذكيرهم بمسمّاك الوظيفي وأن تتحدث عنك أعمالك بدل أن تتحدث أنت عنها. فتلك مرتبة لا تمنحها القرارات الإدارية.
والمهندس سمير رسلان من جيل كان ينظر إلى المسؤولية باعتبارها بناءً لا واجهة وإلى النجاح باعتباره ما سيبقى بعد الرحيل لا ما يلمع أثناء الحضور. ولهذا فإن أكثر من سبعة عشر عامًا من التقاعد لم تستطع أن تضع تجربته في أرشيف الماضي لأن الرجل الذي يترك بصمة حقيقية لا يغادر تمامًا بل يغادر مكتبه فقط. أما شيء منه فيظل هناك في تجربة تعلّم منها الآخرون وفي قرار صنع فارقًا وفي إنجاز أصبح جزءًا من ذاكرة العمل وفي نفوس زملاء عرفوا الرجل عن قرب وعرفوا أن خلف الاسم رحلة طويلة من العمل والعطاء والمسؤولية.
ولعل أجمل ما يمكن أن يبلغه الإنسان في مسيرته المهنية ألا يحتاج بعد خروجه منها إلى أن يقول للناس "كنت هنا" لأن الأثر يقولها نيابةً عنه. والمهندس سمير رسلان واحد من هؤلاء فقد مضى على تقاعده زمن طويل لكن أثره لم يتقاعد.