الكاتب : النهار
التاريخ: ٠٨ سبتمبر-٢٠٢٦       3465

بقلم - علي السبع

أصعب السجون ليست دائمًا تلك التي ندخلها بأقدامنا، وليست كل القضبان من حديد.
أحيانًا يكون السجن صورةً رسمها الناس لنا في مرحلة من حياتنا، ثم أغلقوا علينا بابها، وكأن من عرفوه بالأمس يجب أن يبقى كما هو إلى الأبد.
قد يقضي الإنسان أربعين عامًا في مهنة واحدة، لكن أربعين عامًا من الحياة لا يخرج منها كما دخلها؛ فقد قرأ، وسافر، وأحب، وفقد، ونجح، وفشل، وصادق، وافترق، وتعلّم من الناس والمواقف، واكتشف في نفسه أشياء لم يكن يعرفها من قبل.
فكيف نختصر كل ذلك في اسم مهنة واحدة؟! 
الممثل ليس مجرد ممثل، والطبيب ليس مجرد طبيب، والمعلم ليس مجرد معلم، والعامل ليس مجرد عامل. خلف كل لقب إنسان له عالم كامل لا نراه! 
وأحيانًا تكون المشكلة في أننا، حين نعرف شخصًا في مرحلة معينة، نلتقط له صورة في أذهاننا، ثم نعلّقها هناك. تمر السنوات، ويتغير صاحب الصورة، بينما تبقى صورته القديمة معلقة في ذاكرتنا كما هي.
وحين يظهر منه جانب لم نعرفه، نستغرب ونقول: «منذ متى وهو هكذا؟»! 
ربما منذ زمن… لكننا لم نره.
فالإنسان ليس صورة ثابتة.
من عرفته قبل عشرين عامًا ليس بالضرورة هو الإنسان نفسه اليوم. فالسنوات لا تغيّر ملامحنا فقط؛ إنها تعيد ترتيب أفكارنا، وتنضج رؤيتنا، وتفتح في داخلنا أبوابًا لم نكن نعرف أنها موجودة.
وقد تكون المشكلة أحيانًا ليست في أن الإنسان تغيّر، بل في أننا رفضنا أن نغيّر نظرتنا إليه.
لذلك، حين ترى جانبًا جديدًا في إنسان تعرفه، لا تتعجل في رفضه لمجرد أنك لم تعتده منه. ربما لم يصبح شخصًا آخر؛ ربما أنت فقط اكتشفت اليوم جزءًا منه لم تتح لك فرصة أن تراه بالأمس.
أما الإنسان نفسه، فلا ينبغي له أن يقضي عمره واقفًا أمام أبواب الناس، يشرح لهم من أصبح، أو يستجدي منهم اعترافًا بصورته الجديدة.
من أراد أن يراك كما كنت، فهذه صورته عنك.
أما أنت، فلا تجعل صورته سجنًا لك.
لا تختصر نفسك في مهنة، ولا في مرحلة، ولا في نجاح قديم، ولا حتى في خطأ قديم. ولا تسمح لأحد أن يقنعك بأن عليك أن تبقى كما عرفك؛ فقط حتى لا تضطر ذاكرته إلى التعرّف عليك من جديد! 
فبعض السجون لها أبواب وقضبان، وبعضها مجرد صورة قديمة في عقول الآخرين… والخطأ ليس أن يضعوك فيها، بل أن تصدق أنك لا تستطيع الخروج منها!